مفكر تونسي: أيام ابن سلمان معدودة وأمريكا تبحث عن بديل

بوابة القليوبية 6 ديسمبر 2018

قال الفيلسوف والمفكر التونسي البارز، أبو يعرب المرزوقي، إن أيام ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في الحكم صارت معدودة، خاصة بعد اقتناع كبار مجلس الشيوخ الأمريكي بأنه المسؤول عن جريمة قتل الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، وبسبب صمود الصحافة الأمريكية التي وجدت فرصة للانتقام من الرئيس دونالد ترامب بسبب معاداته لها، مؤكدا أن ابن سلمان لم يعد بوسعه فعل أي شيء حتى لو بذر كل ثروة السعودية.

وأضاف أن “أمريكا لم تعد تقبل بابن سلمان ممثلا لمصالحها وتريد بديلا له”، لافتا إلى أنها “ستشجع الأسرة السعودية الحاكمة على إيجاد البديل. وقد بدأت ذلك بالفعل بمجرد إعادة الأمير أحمد بن عبدالعزيز وحمايته، وفي ظل بداية تحرك الأمراء الذين كانوا عاجزين حتى على الظهور بل وجلهم كان في إقامة جبرية”.

وأكد المرزوقي، الذي شغل سابقا منصب مستشار الحكومة التونسية، أن “الربيع العربي صار ثورة حقيقية ستستأنف بزخم لم يكن متوقعا وبقيادة رمزية لتركيا”، متوقعا “اندلاع موجة ثانية من الربيع العربي خلال الفترة المقبلة، وستكون هذه المرة أكثر إحكاما، لأنها تكون قد استفادت من الموجة الأولى”.

وأشار إلى أن “هزيمة الثورة المضادة في الخليج باتت قاب قوسين أو أدنى، لأن سقوط الأمير الأحمق يعني نهاية محور الشر المؤلف من الرابوع الذي حاصر قطر ويمول الثورة المضادة في مصر وليبيا واليمن وتونس ويتآمر على تركيا مع إسرائيل في المسألة الكردية على حدودها”.

ورفض ما يدعو إليه البعض بتحقيق مصالحات بين الأنظمة العربية وشعوبها لإنهاء حالة الاضطراب التي تشهدها المنطقة، قائلا:” الأنظمة ليست مالكة لأمرها. فـحاميها الأجنبي يحول دونها وذلك. فيكون الأمر رهن الحماة أعني الاستعمار الغربي. وهذا مستحيل أن تقبل به الثورة لأنها إن قبلت شروطه لم يعد فرق بينها وبين الأنظمة، ومن ثم فالحل الوحيد هو الثورة التي تغير هذه الأنظمة ومواصلتها”.

وفيما يلي نص المقابلة كاملة:

قلت إن “خاشقجي” سيقضي على رؤوس الثورة المضادة في المنطقة وهم برأيك: محمد بن سلمان، ومحمد بن زايد، وعبدالفتاح السيسي، لأن جريمة قتله ستقصم ظهورهم.. ألا تزال مقتنعا بما قلت؟

بل ازددت قناعة بذلك. فبعد أن اقتنع كبار أعضاء مجلس الشيوخ بأن ولي العهد السعودي هو القاتل وبسبب صمود الصحافة الأمريكية التي وجدت فرصة للانتقام من ترامب الذي عاداها من بداية عهده صارت أيام الأمير الأحمق معدودة. وحتى لو افترضنا أن السعودية ستعاند وتبقي عليه فسيكون مجرد صورة لا أكثر، لأن فعلته الشنيعة لن تتوقف الصحافة بتحريكها كلما تحرك. فيصبح عاجزا عن فعل شيء في الخارج وفي الداخل. ولما كان نصيحه (محمد بن زايد) و(السيسي) كلاهما لا يزنان كثيرا من دون السعودية فإن أمرهما أصبح قاب قوسين أو أدنى من الخروج من التأثير في مجريات الإقليم.

لكن هناك من يرى أن محمد بن سلمان بدأ يحتوي أزمة خاشقجي وأنه قد يتجاوزها بأقل الخسائر الممكنة مع بقائه في منصبه.. فإلى أي مدى قد يخرج منتصرا من هذه المعركة؟

لم يعد بوسعه فعل أي شيء حتى لو بذر كل ثروة السعودية. وكان يمكن أن يحصل ذلك لو لم يجتمع مصدران لوقائع جريمته كلاهما يصدق الثاني: المصدر التركي والمخابرات الأميركية.

واعتقد أن ترامب أيضا لم يعد بوسعه أن يناور طويلا حتى لو كان صهره متورطا أو حتى لو كان هو نفسه متورطا في علاقات لها صلة بأعمالهما الخاصة ولا تخص الدولة الأمريكية، بل إن ذلك لو كان كذلك فإنه موقفه سيكون أضعف لما لذلك من صلة بمتابعة مساره الشخصي ودوره في شؤون الدولة.

وأعتقد أن ترامب الآن بصدد ربح الوقت ليس من أجل المحافظة على الأمير الأحمق، بل من أجل ترتيب مسألة البديل الذي يمكن أن يحقق هدفيه الاستراتيجيين: حلب السعودية، وتحقيق ما يسمى بصفقة العصر والتستر على العلاقات الخاصة. لكن ذلك هو بدوره لم يعد ممكنا: فالهزيمة التي ستنتج عن سقوط جماعة الثورة المضادة في بلاد العرب ستضيف إلى الثورة أولا وإلى تركيا ثانيا قوة كانت تنقصها لتصبح أكثر حرية في اضطرارها الحالي لمداراة إيران وروسيا ومن ثم أكثر حرية في التعامل مع مناورات أمريكا على حدودها في القضية الكردية دون حاجة إلى التنازل لروسيا أو إيران أو للثورة المضادة.

والمعلوم أن زعماء الثورة المضادة هم الذين يقودون بحلف مع إسرائيل مساعي لمضايقة تركيا، لأنها على الأقل رمزيا بنجاحاتها وباستعادة هويتها المتدرجة قائدة للثورة في الإقليم وحامية لقياداتها وملجأ للكثير من العرب وخاصة من السوريين.

تقارير صحفية تحدثت عن وجود تململ وتحركات داخل الأسرة السعودية الحاكمة، وأن هناك مساع لتصعيد الأمير أحمد بن العزيز، لكننا لم نجد أي تحرك ملموس للأسرة الحاكمة، بل إن تحركات محمد بن سلمان الخارجية يبدو أنها تنفي ذلك بشكل قطعي حيث أن ولي العهد الحالي مطمئن تماما للأسرة الحاكمة، وإلا لما أقدم على البقاء لأيام طويلة خارج المملكة في هذه الظروف الحرجة.. ما تعقيبكم؟

كان ذلك صحيحا قبل ما حصل مؤخرا عندما سمعت قيادات الكونغرس رئيسة المخابرات الأمريكية. وسواء كانت تصريحاتهم صادقة أو من المزايدات التي تطالب بسهم من الرشوة المنتظرة من الأمير الأحمق فالأمر سيان، لأن صورته تشوهت في الرأي العام الأمريكي إلى حد لا يقبل التبييض بعد الآن.

ومن ثم فالأسرة الحاكمة في السعودية ستصبح طليقة اليدين بالتناسب مع تقييد يدي الأمير الأحمق، لأن أمريكا العميقة لم تعد تقبل به ممثلا لمصالحها وتريد بديلا له، وهي أذن ستشجع الأسرة على إيجاده، بل إنهم بدأوا بالفعل قبل ذلك بمجرد إعادة عمه الأمير أحمد وحمايته، وبداية تحرك الأمراء الذين كانوا عاجزين حتى على الظهور بل وجلهم كان في إقامة جبرية.

ماذا لو استمر محمد بن سلمان في منصبه؟ وماذا لو تم عزله؟ .. ما تداعيات ذلك على السعودية والمنطقة بشكل عام؟

سواء بقي أو أزيح كل اللعبة في الإقليم تغيرت جذريا؛ فهزيمة السعودية والإمارات في اليمن وقضية خاشقجي وإدارتها الذكية من قبل تركيا -القضاء والمخابرات والقيادة السياسية-ودور أمريكا العميقة وعداوة الصحافة الأمريكية لترامب كل ذلك يلغي دوره.

وبقاؤه – إن حصل – سيكون مُضرا بالسعودية وحائلا دونها ودور نشط في الإقليم ما يعني أن الثورة وتركيا سيصبحان أكثر قدرة على التحرك المؤثر، وحتى إيران فإنها ستكون خاسرة في العملية. ذلك أنها كانت تتصور استعادة دورها الإيهامي بتمثيل مقاومة الإقليم لأمريكا وإسرائيل لم تعد تنطلي على أحد بعد أن ساهمت في إفشال الثورة في سوريا واليمن.

لكن الثورة – بعد ما سيصيب الثورة المضادة من عجز- ستستأنف دورها وسيكون ذلك فيه الكثير من استعادة تركيا لدورها التحريري على الأقل بالنموذج الناجح لإرادة التحرر والتنمية غير التابعة والناجحة نجاحا يدحض كل الحجج التي تعتبر الديمقراطية مستحيلة في بلد مسلم.

وسيكون دورها مساندا لما يسمى بـ”الاسلام السياسي” الحديث والديمقراطي الذي يريد استعادة دور الأمة ولتركيا فيه شرف القيادة والريادة ليس لأنها تريد مساعدة غيرها بل لأن ذلك هو قدرها والأعداء يحاربونها لعلمهم أن ذلك هو قدرها، ولأنهم يريدون استكمال ما فشلوا فيه بعد الحرب العالمية الأولى: ظنوا أنهم قضوا على طموحها التاريخي وعلى جذورها الحضارية. فما كانوا يسمونه بالرجل المريض تعافى وأصبح الرقم الصعب في محاولات السيطرة على الإقليم.

من وجهة نظرك: لماذا أحدث قتل رجل واحد مثل “خاشقجي” كل هذه التفاعلات والتطورات التي شهدها الجميع؟

وصفت الأمر بكونه من مكر الله الخير. لكنه ليس من الغيب فيمكن تفسيره. وقد رددت الأمر إلى خمسة عوامل تضافرت فجعلت الحدث الذي كان يمكن أن يكون وكأنه حادث طريق أو جريمة عادية يتحول إلى حدث شبه كوني وما سيترتب عليه سيكون منعرجا في تاريخ الإقليم. العامل الأول طبيعة الضحية في علاقة بالعلاقة العدائية بين الصحافة الأمريكية ورئيس الولايات المتحدة الحالي.

والعامل الثاني طبيعة المجرم في علاقته برئيس الولايات المتحدة وبموقفه من تركيا والثورة، والعامل الثالث دور تركيا التي كان أرض الجريمة في علاقة بالفرصة التي توفرت لقيادة ذكية حتى تثبت جدرتها الخلقية وحنكتها السياسية.

والعامل الرابع هو بلوغ الإقليم إلى لحظة يمكن أن تعتبر لحظة انتظار النقطة التي ستفيض الكأس أو القشة التي ستقصم ظهر البعير.

والعامل الأخير هو اجتماع هذه العوامل بأمر يعسر تفسيره إذا لم نكن نؤمن بأن مكر الله الخير يقلب المكر الشرير على أعداء الإنسانية، وهو العامل الوحيد الذي أنسبه إلى الغيب.

ومن ثم فعندي أن شهادة خاشقجي- والغريب أنه عربي تركي أو تركي عربي، وأنه من القلائل الذين أيدوا الثورة في بلاد الثورة المضادة- تمثل بحد ذاتها منعرجا في العلاقة المتوترة بين العرب والأتراك منذ خيانة الحرب العالمية الأولى لوحدة المسلمين الروحية والسياسية والتحالف مع الإنجليز ضد الخلافة.

كيف تقيم ما وصل إليه الربيع العربي حتى الآن؟ ومن المسؤول عما آلت إليه تلك الثورات؟

لابد أولا من دحض كذبة ما يسمى بالممانعة التي تتوهم أنها ربحت الحرب ضد الثورة في سوريا واليمن، فهي تدعي أنها انتصرت. وهي في الحقيقة هُزمت شر هزيمة في مراحل المعركة المتوالية. فهذه الهزيمة مرت بأربع هزائم مثلت مقدمات الهزيمة النهائية خلال مقاومة الشعب السوري. 1-هزيمة النظام. 2-تلتها هزيمة التدخل الإيراني عن طريق المليشيات وخاصة حزب الله اللبناني. 3-هزيمة إيران نفسها لما اضطرت للتدخل بنفسها بعد فشل المليشيات واضطرت لطلب المساعدة من بوتين. 4- هزيمة بوتين بعد أن استعمل كل ما يستطيع استعماله واضطر للبحث عن مساعدة من تركيا للوصول إلى حل يخرجه من المأزق. 5- وأخيرا هزيمة المفاوضات التي انتهت إلى الهزيمة النهائية، لأن بوتين صار مضطرا لأمرين هما البحث عن مخرج والمخرج الوحيد هو الاعتماد على تركيا واستثناء إيران كما في حل ادلب. ثم إن التخلص من التحالف مع إيران علته أن كلفته باهظة سواء في علاقته بوتين الإقليمية (تركيا والثورة) أو في علاقاته الدولية (إسرائيل وأمريكا).

ولا يوجد مسؤول بمفرده محدد عن مآل الثورة؛ فالجميع لهم فيه مسؤولية وخاصة تفتت الثوار واستغلال النظام وإيران وإسرائيل وأمريكا وحتى روسيا لداعش التي أنتجتها مخابراتهم من أجل الحرب على الثورة وتهديم القوة الأساسية في الاقليم أعني سنته. لذلك فداعش حاربت السنة والثورة أكثر مما حاربت النظام والذين يدعون الحرب عليها.

لكني مع ذلك أعتبر أن ذلك كله أضاف إلى الثورة نوعا من الوضوح بخصوص مطالبها التي صارت في حل من التوظيف الديني وأصبحت مطلوبة لذاتها ولدورها في كرامة الإنسان من حيث هو إنسان.

لقد صار “الربيع العربي” ثورة حقيقية، وهي بفضل ما سينتج عن شهادة خاشقجي وهزيمة الأمير الأحمق ستستأنف بزخم أكبر لم يكن متوقعا. اتجاه الثورة يتحدد بهذا المعنى في المستقبل: ثورة التحرر (الحرية والكرامة) وثورة التحرير (من الهيمنة الاستعمارية وذراعيها في الإقليم أعني إيران وإسرائيل) فيتم الجمع بين كل الثوار في الإقليم بقيادة اعتقد أنها على الأقل رمزيا ستكون تركية من حيث طبيعة المشروع التحرري والاستئناف المستقل عن التبعية شرطا في التنمية المتكاملة بين أهله.

هل تتوقع اندلاع موجة ثانية من الربيع العربي؟ وما هي أبرز ملامحها وشكلها المرتقب؟

نعم. وستكون هذه المرة أكثر إحكاما، لأنها تكون قد استفادت من الموجة الأولى. وقد بدأت بعد في سوريا، ففي إدلب وحيثما حل السلام برعاية تركية عاد الشعب للاحتجاج السلمي بنفس الروح التي بدأت بها الثورة في الموجة الأولى. ولما كان النظام لم يعد قادرا على فعل ما فعله في المرة الأولى وكان الثوار قد تجاوزوا مرحلة امراء الحرب أو هم بصدد تجاوزها بعد اكتشاف ضررها فإن الثورة بالنفس الطويل والمطاولة ستفرض خياراتها وخاصة إذا تمت انتخابات تحت مراقبة الأمم المتحدة.

وفي الخليج هزيمة الثورة المضادة باتت قاب قوسين أو أدنى، لأن سقوط الأمير الأحمق يعني نهاية محور الشر المؤلف من الرابوع الذي حاصر قطر ويمول الثورة المضادة في مصر وليبيا واليمن وتونس ويتآمر على تركيا في المسألة الكردية عامة وفي ما منها يتنمر على حدودها الجنوبية ويسعى لفصلها عن الإقليم لتصبح معزولة فتكون بين عدائين: إسلاموفوبيا اليمين الأوروبي وإسلاموفوبيا الأنظمة العميلة في الإقليم.

وقد رأينا بعض الأصوات السعودية تتجرأ أكثر ما ينبئ بأن المملكة ستكثر فيها ظاهرة التعبير الحر على طريقة خاشقجي في السعودية ذاتها، لأن ما كان ممكنا للنظام قبل اغتياله لم يعد يستطيع القيام بمثله. وأتوقع أن السعودية ستضطر قريبا إلى تسريح العلماء والمفكرين ورجال الأعمال الذين اضطهدهم هذا الأمير الأحمق على الأقل حتى يقدم البديل وجها جديدا يمكن أن يساعده في توطيد حكمه.

هل الشعوب العربية أصبحت رقما صعبا في الصراع بين الثورة والثورة المضادة أم أنها باتت خارج المعادلة ومغلوبة على أمرها؟

بالعكس كانت مغلوبة على أمرها قبل الثورة. لكن كل الشعوب تجاوزت حاجز الخوف فصارت كلها قادرة على التعبير. ولما كانت أنظمة الانقلاب على الثورة قد أوصلت دولها إلى الفشل الذريع كما في مصر وتكاد تؤول إلى ثورة جياع، فإن الموجة الثانية من الثورة لن تتأخر وخاصة إذا سقط الأمير الأحمق. وهو ساقط لا محالة بعد ما سمعناه من مواقف أبرز الشيوخ في أمريكا، فضلا عن التزام الصحافة الأمريكية بالقضية ليس حبا في خاشقجي فحسب بل خاصة كراهية في ترامب الذي شن حربا عليهم منذ بداية حكمه.

عقب إفشال تجربة حركات الإسلام السياسي في الحكم بعد اندلاع ثورات الربيع العربي؛ ظهر إعلاميا مصطلح “ما بعد الإسلام السياسي” وزعم أصحاب هذا المصطلح أن الواقع تجاوز هذه الحركات التي “فشلت” في تقديم نموذج ناجح يرضي الشعوب ويكسب تأييدها.. فكيف ترى مصطلح “ما بعد الإسلام السياسي”؟ وهل يمكن تجاوز مرحلة الإسلام السياسي بالفعل؟

إذا حصر الإسلام السياسي في صورته التي درج عليها الإخوان باعتماد الدين مرجعية للفعل السياسي ليس من حيث قيمه بل من حيث هو عبادات وتربية دينية فإنها سيكون مآلها الفشل الذريع. فالدين ليس مرجعية بما هو تعبدي فيه. ينبغي أن يعلموا أن مرجعية الأحزاب السياسية لا تكون بالتعبد والشعائر-وهو ما أحاول شرحه في الكثير من المحاولات التي خاطبت بها حركة النهضة في تونس لكن الخطاب موجه للإسلام السياسي عامة- بل بالقيم التي تستمد من الدين بما فيه من روحي وعقلي لرعاية شؤون الإنسان الدنيوية -وهو معنى الاستعمار في الأرض بقيم الاستخلاف كما حددهما القرآن الكريم- فإنه سيبدأ من الآن بعد أن بينت التجربة أن الفهم السابق فاشل حتى وإن كان ضروريا في غياب المشاركة في إدارة الشؤون الدنيوية التي هي مهمة الفعل السياسي.

وإدارة الشؤون الدنيوية بالقيم الإسلامية وليس بالشعائر التعبدية هو جوهر الرؤية القرآنية للسياسة بقيم القرآن؛ فالآية 58 من النساء تحدد شرطي الحَكم بالأمانة والعدل والأولى تعني أن الحكم مؤتمن على الأمر الذي هو أمر الأمة كما تحدده الشورى 38 وليس وهو صاحبه وشرط أمانته العدل في الحكم.

وتلك هي القيم التي ينبني عليها الحكم في الإسلام وليس العبادات التي هي مسؤولة المجتمع الأهلي والتربية وليس مسؤولة الدولة والحكم.

ومن واجب الدولة أن تضمن حرية المعتقد للجميع عملا بالبقرة 256 وبالمائدة 48 شرطا في التسابق في الخيرات من خلال المقارنة بين الأديان والاختيار الحر بعد تبين الرشد من الغي. فمستوى الألوهية من الدين هو العبادة الحرة للإنسان وحده بخلاف مستوى الربوبية التي هي عبادة مضطرة لكل الموجودات.

والإسلام السياسي بهذا المعنى هو مستقل الحكم في بلاد الإسلام بل وفي العالم بعد أن أصبح الحكم في الديمقراطيات الغربية محكوما بدين العجل أي بمعدنه (الذهب) وبأيديولوجيته (الخوار). والمثال هو أكبر ديمقراطية غربية أي الولايات المتحدة الأمريكية التي يحكمها مال اللوبيات والمافيات الذي هو معدن العجل وإعلامها الذي هو خوار العجل.

الديمقراطية الغربية لم تعد حكم الشعب لنفسه بل صارت حكم المافيات وهو دين الأبيسيوقراطيا أو الحكم بدين العجل الذي حرفت به بنو إسرائيل رسالة موسى عليه السلام بعد غيابه.

كيف ترى نجاح بعض الإسلاميين بالانتخابات في كل من الأردن والكويت والمغرب وموريتانيا، والذين نجحوا بعد الثورات المضادة؟

دليل قاطع على أن الثورة المضادة فشلت ولم تقنع أحدا بوسم الإسلام السياسي بالإرهاب أو بالتخويف من الثورة بعنوان المآل السوري الذي يعتبرونه رادعا للشعوب لإيقاف مطالبتها بالحرية والكرامة.

البعض يدعو إلى تحقيق مصالحات حقيقية بين الأنظمة العربية وشعوبها لإنهاء حالة الاضطراب التي تشهدها المنطقة.. فكيف يمكن تحقيق مثل هذه المصالحة بين الأنظمة والشعوب؟

لكن الأنظمة ليست مالكة لأمرها. حاميها الأجنبي يحول دونها والمصالحة مع شعوبها لأنها تستمد بقاءها منه وليس من شرعية تستمدها منهم. فيكون الأمر رهن الحماة أعني الاستعمار الغربي. وهذا مستحيل لأن الثورة لو قبلت بذلك لصار لا فرق بينها وبين الأنظمة العميلة: وهو ما أرادوا فرضه على مصر قبل الانقلاب وما يحاولون فرضه على تونس اليوم أي القبول بشروط المستعمر والتطبيع مع إسرائيل.

ومن ثم فالحل الوحيد هو الثورة التي تغير هذه الأنظمة ومواصلتها لتحقيق غايتين الأولى هي أخذ الشعوب أمرها بيدها، والثانية استعادة شروط دور الأمة بتحرير الجغرافيا الإسلامية من التفتيت الذي فرضه الاستعمار بعد إسقاط الخلافة ومن تشتيت التاريخ الإسلامي الذي فرضته الأنظمة العميلة التي جعلت كل محمية تدعي أنها دولة ذات تاريخ سابق على الإسلام وتلغي التاريخ الموحد للأمة. فالتفتيت الجغرافي هو سر الضعف المادي المانع من التنمية المستقلة للأمة والتشتيت التاريخي هو سر الضعف الروحي للأمة المانع من التنمية العلمية والتقنية. والحرب على الإسلام صارت أداتها المباشرة الأنظمة العميلة نفسها.

رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أعلن مؤخرا أنه سيزور دولا عربية أخرى قريبا عقب الزيارة الأخيرة التي قام بها إلى سلطنة عمان.. فهل وصل التطبيع بالمنطقة مستويات غير مسبوقة؟ وكيف يمكن التصدي له؟

ليس في الأمر شيء جديد عدى علنيته. لكن ذلك يسهم في تعرية الأنظمة وفي تحرير الشعوب من أكاذيبها عند الكلام على فلسطين. فبعد فضائح ما يسمى بالممانعة التي تبين أن ضامن بقاءها هو نتنياهو الذي يريد بقاء الأسد جاء دور الأنظمة المطبعة علنا ليفتضح أمرها مثل الممانعة المزعومة، وبذلك يصبح الصراع مباشرا بين إسرائيل والشعوب وهي المعركة التي ستخسرها حتما.

كيف ترى التجربة التونسية وما حققته مقارنة بالتجربة المصرية أو السورية أو الليبية أو اليمنية؟ وهل هي الأفضل على الإطلاق كما يقول البعض؟ وإلى أين تتجه هذه التجربة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية؟

لا أعتقد أن الأمر يختلف كثيرا. كل ما في الأمر أن أوروبا قد تحول دون ذلك لأنها تريد أن تتجنب زلزلة المغرب العربي كله ليس حرصا عليه بل خوفا من موجات الهجرة. لكن يبدو أن الثورة المضادة لا تريد لتونس الاستقرار. وقد يكون ما حدث للأمير ابن سلمان عاملا قد يغير الأمر كليا فتتمكن تونس من إنجاح تجربة الانتقال الديمقراطي. لكني أشك كثيرا لأن الجزائر نفسها لا تريد للثورة أن تنجح وخاصة إذا أوصلت الديمقراطيين الإسلاميين إلى الحكم لخوفها من العدوى.

ما هو المتوقع من نتائج القمة الخليجية المقرر انعقادها في 9 كانون الأول/ ديسمبر الجاري؟

لا أنتظر منها الكثير. ولا أعتقد أن أمير قطر سيحضر حتى لعلل أمنية، فضلا عن كون المصالحة الخليجية لن تبدأ قبل سقوط الأمير.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

نيوزويك: ترامب يشك بدعمه من قبل الجمهوريين

بوابة القليوبية 16 ديسمبر 2018 كشفت مجلة “نيوزويك” الأميركية أن الرئيس دونالد ترامب وإدارته يشعران ...