أميرة أبو الفتوح تكتب: خاشقجي الحاضر الأكبر في قمة العشرين

بوابة القليوبية 5 ديسمبر 2018

ولي العهد السعودي هو الأمير القاتل، ولن أقول المتهم بالقتل أو المشتبه بتورطه أو أي عبارة تجميلية من تلك العبارات الخادعة، فأي ساذج يعلم جيدا أنه لا يمكن أن يتم شيء في المملكة العربية السعودية، حتى لو كان هينا، إلا بأمر من ولي العهد مباشرة، الحاكم الفعلي للمملكة.. ولقد سبق وأن قال ذلك أخوه الأمير “خالد بن سلمان”، سفير السعودية لدى أمريكا، حينما نفى اغتيال الكاتب الصحفي #جمال_خاشقجي، مؤكدا مغادرته السفارة عقب انتهاء معاملته، بل زاد لصحيفة واشنطن بوست بأنه “من المستحيل” أن يعمل موظفو القنصلية على التعتيم على مثل هذه الجريمة، ولا يكون لنا علم بذلك”.. إذا، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن تحدث الجريمة في غياب عن متخذي القرار في المملكة.. ولقد نشرت مؤخرا صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية القريبة من الحزب الجمهوري، تقريرا من “سي آي إيه” يفيد بأنها رصدت 11 رسالة بين “محمد بن سلمان” ومستشاره “سعود القحطاني”، كاتم أسراره والمشرف على فريق الاغتيال، يطلب فيها “ابن سلمان” استدراج خاشقجي للعودة إلى السعودية، وكان ذلك إشارة لبدء عملية القتل. كما ذكر التقرير أن هناك مكالمة هاتفية طلب فيها ابن سلمان اتخاذ اللازم من ترتيبات خارج المملكة في حال عدم النجاح في استدراجه. وأشار التقرير إلى أن هذه الرسائل تواترت أثناء قتل خاشقجي، لهذا فهو القاتل الأصلي الذي أصدر الأمر بقتله، والكلام بغير ذلك تدليس وتضليل..

لقد دفع الأمير القاتل مئات المليارات في صفقات أسلحة مع دول كبرى، وشراء ذمم دول أخرى بعطايا بترولية وما شابه، من أجل الذهاب إلى الأرجنتين لحضور قمة العشرين؛ كي يغسل يديه من دماء خاشقجي، بعدما عجز عن إثبات براءته، وليصافح رؤساء الدول الكبرى ويلتقط الصور معهم، كي يبرهن لشعبه أولا ثم للعالم ثانيا؛ أنه ليس معزولا ولا محاصرا كما يُشاع، بل إنه موجود وسط قادة العالم الكبار.. ولكن كثيرا ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وهذا ما حدث مع الأمير القاتل…

فعلى الرغم من وصوله للقاعة مبكرا ووقوفه على طرف المنصة كي يواجهه كل من يدخل وجها لوجه، فيضطر لمصافحته منعا للإحراج، إلا أن جميع الوفود المشاركة تجاهلته وتخطته سريعا. وعندما دخل القادة الكبار لم يقف أي منهم لتحيته، وظل وحيدا منبوذا. وبعد التقاط الصورة الجماعية للقادة المشاركين في القمة، تعرض للتهميش، كما ذكرت وكالة “رويترز”، مما جعله يغادر القاعة سريعا دون أن يصافحه أحد. وربما الوحيد الذي صافحه بحرارة وبطريقة غير لائقة، وخارجة عن عُرف ووقار الساسة ولكنها أقرب للسوقية (على غرار ما يقوله أولاد البلد على المقاهي الشعبية “كفك يا جدع”!)، هو الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” في غرفة الاجتماعات الرئيسية، حيث تصادف أن جلس بجانبه. ولست أعرف هل هي مصادفة أم قد رتب لها من قبل، واشترى الأمير القاتل هذا المقعد ليكون بجوار شريك له في المنهج الدموي للحكم السلطوي الذي يقضي على معارضيه، وشبيه له في القتل والإجرام. فكلاهما أيديهما ملوثة بدماء الآلاف من الأبرياء من شعبي سوريا واليمن.. أم جاء هذا المقعد وفقا للبرتوكول المتبع؟ أم أن الاثنين أرادا أن يوصلا رسالة للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الذي تجاهلهما عن عمد، ولكل منهما أسبابه؟ فقد ألغى ترامب لقاء بوتين الرسمي قبل مغادرته الولايات المتحدة الأمريكية، كرسالة قوية لبوتين بعد إقدام روسيا على احتجاز سفن حربية أوكرانية، وإن كان قد قابله بعد ذلك في لقاء غير رسمي مع زوجته على العشاء.. أما تجاهل ترامب لابن سلمان، وإن كان هو قلبا وقالبا معه والمدافع الشرس عنه، فلخوفه من الصحافة الأمريكية التي تستغل صورة مصافحته له، وتزيد من حملة الهجوم عليه، ولخوفه أيضا من الكونجرس.. بينما بوتين وابن سلمان كانت رسالتهما مختلفة، على غرار القاعدة الميكافيلية “صديق عدوي صديقي، وعدو صديقي صديقي” عند الحاجة. فالمعروف أن إيران عدو السعودية اللدود وصديقة لروسيا، والسعودية حليف أمريكا المطيع بينما روسيا خصم لها، وخاصة أن هناك زيارة قريبة مرتقبة لبوتين إلى السعودية؛ ستعقد خلالها صفقات تجارية وعسكرية بين البلدين، يتم فيها بيع معدات عسكرية وطائرات روسية الصنع للسعودية. وترامب قد حذر الكونجرس أكثر من مرة من أن أمريكا سوف تخسر نصف تريليون دولار، صفقات تجارية وعسكرية واستثمارات للسعودية مع أمريكا، وأن السعودية ستتجه لشراء الأسلحة من روسيا إذا فرضت عقوبات عليها..

اعتقد الأمير القاتل أنه بحضور قمة العشرين سوف يهرب من قضية مقتل الصحفي #جمال_خاشقجي، فإذا بها تطارده في المحاكم، حيث أقامت منظمة “هيومان رايتس ووتش” دعوى قضائية ضده في المحاكم الأرجنتينية، كما لاحقته في الشوارع بمظاهرات رافضة لوجوده، ومنددة بسياساته وبقتله لمعارضيه، إضافة لجرائمه في اليمن، مما جعله يهرب ويحتمي بسفارة بلاده ويتخذها مقرا له. ولكن حتى هذا لم يحمه ويبعد عنه شبح خاشقجي الذي ظل يطارده حتى في الطرقات. ففي حديثه العابر، الذي لم يستغرق أكثر من خمس دقائق، مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبحسب بيان الإليزيه، فإن ماكرون قد أعطى رسائل شديدة الصرامة إلى ولي العهد وأوضح له أن أوروبا ستصر على مشاركة خبراء دوليين بالتحقيق في مقتل خاشقجي. وكما ظهر في الفيديو الذي انتشر على نطاق واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي، كان ماكرون يقول له: أنت لا تسمع الكلام، فيرد ابن سلمان عليه: أنا أستمع لك بالطبع! منتهى المهانة له ولدولة بحجم السعودية، والتي تمثل الدول العربية في هذه القمة.. لقد جلب الامتهان والعار لبلاده…

لم يفارقه شبح خاشقجي لحظة طيلة تواجده في الأرجنتين، وظل يلاحقه حتى في الغرف المغلقة مع رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، والتي كانت حازمة معه، وطالبته بتحقيق كامل ونزيه في قتل خاشقجي، وأن تتم محاسبة المسؤولين كي لا تتكرر هذه الجريمة مرة أخرى..

أما الطريف فهو ظهور شبح خاشقجي في المسرحية التي عرضت على مسرح “كولون” احتفاء بالوفود، ولقد اختار المنظمون مسرحية كانت تدور حول إدانة القتل والنشر، لإدانته علنا، وشعر الأمير القاتل أنها موجهة له، فأصابه الوجوم ولم يصفق لها كباقي الحضور الذين صفقوا بحرارة شديدة، مما زاد من حرارة غضبه!

أما مسك الختام، فكان للرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” الذي رفض طلب ولي العهد للقائه. وقال في تصريحات خلال مؤتمر صحفي عقده في ختام القمة: “إن العالم لن يطمئن حتى يتم الإعلان عن الجهة التي أمرت بقتل الصحفي جمال خاشقجي، وهذا الإعلان من مصلحة السعودية”. كما أبدى استعداد بلاده للمشاركة بجميع الأدلة التي في حوزتها مع الدول التي تسعى إلى تحقيق في قضية مقتل خاشقجي، مشددا على أن “الحقيقة التي سعت الإدارة السعودية إلى إنكارها أولا ثم محاولة تشويه الحقائق، وأخيرا الاعتراف بوقوعها.. تجلت بفضل الموقف التركي الحازم. ونحن لن نسكت حتى يتم الكشف عن الحقيقة كاملة”، وذلك ردا على أكاذيب، أو قل هذيان محمد بن سلمان بنفيه وجود جريمة من الأساس. ويُعد نفيه هذا أكثر جُرما من جريمته ذاتها.. لقد أصبح مسخرة العالم ..

من المؤكد أن ولي العهد السعودي، لو كان يعلم ما سيتعرض له من مهانة تعدت شخصه لتصبح امتهانا لمركز المملكة العربية السعودية؛ لما أقدم على حضور قمة العشرين، ولكنه الغرور والطيش وعدم الحكمة في اتخاذ القرارات السليمة..

لقد تصور الأمير القاتل أن بخروجه من مخبئه في السعودية وزيارته لدول عربية قبل ذهابه للأرجنتين؛ سوف تعيد بريقه وتحسن صورته أمام العالم وينسى جريمته، فإذا به يواجه برفض شعبي كبير لدى الشعبين المصري والتونسي. فقد كانت الزيارة مستفزة للشعبين، فكيف تستقبل بلادهما قاتلا؟!

لم يكن الرفض الشعبي في البلدين (مصر وتونس) لزيارة ابن سلمان بسبب جريمته الوحشية في حق خاشقجي فقط، بل كان أيضا لارتكابه المجازر البشعة في اليمن وقتله الآلاف من أبناء شعبه، وعمالته للكيان الصهيوني بعد أن كشف عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرا، في كلمته التي وجهها للكونجرس وقال فيها: “لولا السعودية لأصبحت إسرائيل في ورطة، ولولاها لكانت إسرائيل خارج الشرق الأوسط كله، هل تريدون ذهاب إسرائيل؟ فلنخسر حليفا قويا مثل السعودية”.

لقد كان الرفض الشعبي جليا وواضحا في تونس، مهد ثورات الربيع العربي، حيث خرجت الجماهير معبرة عن سخطها لهذه الزيارة، ومنددة عبر اللافتات المعبرة، مثل: “لا مرحبا بالمنشار”، “تونس حرة والعميل برة برة”.. وفي البرلمان أيضا اعترض عدد كبير من النواب على تلك الزيارة. لقد كان الشعب التونسي الذي يتمتع بالحرية معبرا عن الشعوب العربية، وكأنه قام بالواجب عنها، فاضطر الأمير القاتل إلى الهروب ليلا!

أما الرفض الشعبي في مصر المحروسة، فكان عبر صفحات التواصل الاجتماعي، وعبر هاشتاغ #زيارة_المنشار_عار. واكتفت بعض القوى الوطنية بإصدار بيانات تنديد ورفض لهذه الزيارة؛ لأن الحكومة تمنع التظاهر، رغم أنها سمحت به لقلة مأجورة من نائب في البرلمان؛ أعطى 100 جنيها للفتاة و60 جنيها للشاب، حسب الإعلان الذي سُرب لصفحات التواصل الاجتماعي والمطلوب فيه 200 فتاة و100 شاب، محددا الزمان والمكان والأجر الذي ذُكر، ووزع هذا النائب عليهم يافطات ترحيب تحمل صور ولي العهد. وللأسف كان هذا في ميدان التحرير، ميدان ثورة يناير التي تآمرت السعودية عليها وأجهضتها! هذا النائب بجوقته المأجورة أكمل زفة الإعلام الفاجر لولي العهد القاتل، فقد احتفت الصحف كلها وبرامج التلفزيون المختلفة بزيارة العار، بل إن التنافس كان واضحا بينها، فقد نشرت بعض الصحف ومنها جريدة الأهرام، كبرى الصحف المصرية وأعرقها، صورة “فوتوشوب” للأهرامات مكسوة بالأعلام السعودية، مهللة بأن الأهرامات تتزين لزيارة ولي العهد، رغم صدور بيان رسمي من وزارة الآثار ينفي حدوث ذلك، ولكنه السبق، ليس السبق الصحفي، بل السبق لنيل العطف والرضى من القاتل للحصول على ريالاته أو الرز السعودي، كما أصبح دارجا في مصر!

ولو كان لدى الأمير القاتل بعض من العقل وقليل من الحياء لألغى زيارته إلى موريتانيا والجزائر، بعد إهانته في الأرجنتين، خاصة بعد إعلان أحزابهما الكبرى والنخب الفكرية في البلدين رفضهم لزيارته.. ولأنه لا يملك هذا القليل من كليهما (العقل والحياء)، فاستحق تلك المهانة التي تلقاها من شعب موريتانيا، على غرار ما تلقاه من شعب تونس، وهتافات لا أهلا ولا سهلا بالقاتل، ما دفعه لمغادرتها سريعا..

أراد ولي العهد السعودي أن يغسل يديه من دم خاشقجي في زياراته، فإذا بها تلطخ جسده كله ويغرق في بحرها..

والسؤال المُلح هل إسكات صوت أو قصف قلم يستحق كل هذه الأثمان الباهظة من امتهان لمكانة المملكة العربية السعودية، وخسارتها في الساحة الدولية؟!

ولكنها دائما الحسابات الخاطئة لنظم الحكم الاستبدادية التي لا تقبل النصح ولا الشورى، ولا أقول المعارضة، والتي يصنع الحاكم من نفسه إلها لا يخطئ ولا يسهو، فيُعرض بلاده للمخاطر والمحن..

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

‎أسامة رشدي يكتب: مصر: مشروع لدسترة الاستبداد والتنازل عن الأرض .. ما دوركم ؟

بوابة القليوبية 17 ديسمبر 2018 يتعامل المستبدون مع الدساتير كما تعامل كفار قريش مع آلهة ...