أشرف دوابه يكتب: أزمة البطاطس بمصر بين الحقيقة والتلبيس

بوابة القليوبية 9 نوفمبر 2018

لم يكن أحد يتصور في مصر أن تضاف إلى أزمتها أزمة أخرى من طراز فريد، لسلعة معروفة عند المصريين بالوفرة، ولا يخلو منها بيت مصري، وهي البطاطس، التي شهدت أسعارها ارتفاعا غير مسبوق، حيث وصل سعر الكيلوغرام الواحد منها إلى 14 جنيها. وقد ألقت هذه الأزمة بظلالها على الأزمات التي أصبحت لصيقة بالاقتصاد المصري، بفعل استخدام منطق القوة لا قوة المنطق في إدارة البلاد، وفرض سياسة الأمر الواقع والاستسلام التام على المصريين.

فرغم أن الأزمات الاقتصادية تحيط بالمواطن المصري من كل جانب، من غلاء وبطالة وفقر ومرض وديون، إلا أن أزمة البطاطس جاءت لتعري تلك الأزمات جميعا، وتبرز مدى الفشل في إدارة الأزمة.

لقد كشفت تلك الأزمة عن المعالجة الأمنية البوليسية التي لا تضع حلولا واقعية؛ بقدر السيطرة الأمنية واستخدام العصا لإرهاب المنتجين والمستهلكين على السواء، حتى باتت الثقة في أسباب الأزمة أمرا لا يصدقه رجل الشارع العادي، فضلا عن أهل التخصص والخبرة.

لقد ألقت الحكومة الأزمة برمتها في سلة التجار، واتهمتهم بالاحتكار من خلال اتهامهم بتخزين كميات كبيرة من البطاطس؛ مما أثر سلبا على الكمية المعروضة منها، ومن ثم ارتفاع أسعارها، وهو ما برر للحكومة – حسب رؤيتها – استخدام عصاها الغليظة وأجهزتها السيادية في التضييق على التجار ومصادرة ما بحوزتهم من بطاطس، بل والعجيب أنه تم إسناد الأمر إلى وزارة الداخلية، التي أصبح من مهامها توزيع البطاطس، وإيقاف المصريين في طوابير يعلوها الذل والاستكانة من أجل بضع حبات من البطاطس. بل والأدهى والأمر؛ هو قيام جهاز المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية بمداهمة المجلس التصديري للحاصلات الزراعية، وهو تصرف يعكس غياب المؤسسية في الدولة وتفشي يد السلطات السيادية. وهذا السلوك لا شك أن له ما بعده، فهو صورة بالغة السوء على الثقة بين مجتمع الأعمال والحكومة.

إن أزمة البطاطس تعكس غياب أي رؤية واضحة للحكومة، كما أن تفرق أسبابها بين أصحاب المسؤولية جعل من تلك الأسباب سلوكا غامضا وعملا فضفافضا، وضبابيا. فالتضارب في التصريحات ما بين وزارة الزراعة والفلاحين ورؤساء الجمعيات الزراعية واتحاد منتجي الحاصلات والتعاونيات هو سيد الموقف، حيث حصر البعض تلك الأسباب في انخفاض الإنتاج والمساحة المزروعة نتيجة لارتفاع تكاليف الزراعة من التقاوي المستوردة والأسمدة والنقل والشحن والتخزين والعمالة، وحملها البعض الآخر لاحتكار التجار.

فعلى سبيل المثال، ومنذ عدة أشهر، حذر نقيب الفلاحين المصريين من حدوث أزمة في البطاطس نتيجة لعدم توافر التقاوي اللازمة والمستوردة من أوروبا، وهو نفسه الذي تعددت تصريحاته إبان الأزمة؛ برمي أسبابها تارة على فساد المبيدات المستخدمة في زراعتها، وتارة على وزير الزراعة، وتارة أخرى على التجار. كما حمّل الدكتور حامد عبد الدايم، المتحدث باسم وزارة الزراعة، سبب أزمة البطاطس للتجار، حيث ذكر أن بعض التجار توقعوا أن المساحات التي تمن زراعتها من البطاطس هذا العام قليلة، ومن ثم بدأ بعضهم في تخزينها للتحكم في السوق.

أما التفسير الأخطر لأسباب الأزمة، فقد ذكره توفيق عكاشة، القريب من الأجهزة السيادية، حيث حمل ذلك لجماعة الإخوان المسلمين، تلك الجماعة التي جل أبنائها في سجون السيسي ظلما وعدوانا.. حيث ذكر عكاشة أنهم من يحتكرون البطاطس بشرائها من المزارعين وتخزينها. وليت عكاشة ذهب بنفسه ومعه من يحركه ليكشف لنا عن اسم واحد فقط من الإخوان يحتكر البطاطس، ولكنها حملة الافتراءات القذرة التي لا تنتهي، وحملة الفشل الذريع التي جعل العسكر وأذنابهم من الإخوان شماعة لها.

إن الحكومة، بدلا من التسلح بالقوة، أولى بها أن تتسلح بالعلم، وتشخص المشكلة تشخيصا صحيحا، وتضع أهل الخبرة لذلك تشخيصا وعلاجا، لا سيما وأن محصول البطاطس لا يخلو مستهلك من الاعتماد عليه. وقد أشارت منظمة الأغذية والزراعة “الفاو”، في تقريرها عن العام 2017، إلى أن مصر تستورد كمية من تقاوي البطاطس تتراوح بين 120 و170 ألف طن، بنحو ملياري جنيه، يتم الاعتماد عليها في زراعة نحو 400 ألف فدان، تنتج خمسة ملايين طن، تتجاوز قيمتها 20 مليار جنيه. وتسهم البطاطس في الناتج القومي الزراعي بأكثر من 5 في المئة، وتوفر أكثر من مليون فرصة عمل دائمة، وتضخ عملة صعبة بأكثر من 500 مليون دولار، أي بما يعادل أكثر من 25 في المئة من قيمة صادرات مصر الزراعية.

وهذا التقرير يعكس بصورة واضحة أن هناك جوانب متعددة لمحصول البطاطس؛ من خلالها يمكن تشخيص وعلاج أزمتها. فالتقاوي الخاصة بها مصدرها الأساسي الاستيراد، والمحصول يمثل دورا كبيرا في سد احتياجات المصريين، بل وفي التصدير، وهو ما يحتم على الحكومة المصرية الوقوف بمصداقية وشفافية على الأسباب الحقيقية للمشكلة ووضع الحلول الاقتصادية المناسبة لها، وتلافي حدوثها مستقبلا، بدلا من الاعتماد على الحلول الأمنية، والتحرك المتأخر، وإلقاء اللوم على الآخرين.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

سليم عزوز يكتب: موسم الهجرة إلى قطر!

بوابة القليوبية 12 نوفمبر 2018 كان “محمد بن سلمان” هو الصوت، وكان “السيسي” هو الصدى! ...