مصطفى عبد السلام يكتب: ومن قال إن الحكومات تتصدق على شعوبها؟

بوابة القليوبية 9 نوفمبر 2018

تعطي معظم الحكومات العربية رسالة خطيرة لمواطنيها عنوانها أنهم “أصبحوا عالة على الدولة، بل ومتسولين”، وأنهم، أي المواطنين، يستنزفون إيرادات الموازنة العامة بدلاً من أن توجه الدولة هذه الإيرادات لتمويل مشروعات استثمارية، وأن إمكانيات الدولة ومواردها باتت لا تغطي احتياجات الشعوب المتزايدة خاصة مع الزيادات المتواصلة في الإنجاب وعدد السكان، وتزعم الحكومات أنها تعمل ليل نهار لصالح الفقراء، بل تتسول الأموال من هنا وهناك لكي توفر للمواطن الطعام والشراب.

والملفت هنا أن هذا السلوك ليس قاصرا فقط على حكومات البلدان التي تزعم أنها فقيرة وهي ليست كذلك، بل تمتد أيضا لحكومات الدول الغنية أيضا التي تتدفق مئات المليارات من الدولارات على خزانتها العامة من بيع النفط والغاز، ولا ينعكس ذلك على حياة الناس.

وما إن يطالب المواطن السلطة الحاكمة بتوفير خدمة جديدة يتمتع بها أقرانه في دول أخرى، أو بتحسين خدمة قائمة أهلكتها السنوات والأيام، تسارع الحكومات وترفع شعارات منها “لا توجد موارد مالية كافية في ظل عجز الموازنة”، وأن على المواطن أن يسدد كلفة هذه الخدمة كاملة إذا أراد توفيرها.

خيارات غريبة

بل وتخير السلطة الحاكمة المواطن الذي لا حول له ولا قوة بين أمور كلها غير منطقية أصلا ولا علاقة بين بعضها والبعض الآخر منها مثلا، بناء الدولة أو الحصول على خدمات عامة، بين بناء مشروعات وبنية تحتية أو توفير سلع جماهيرية لا يمكن الاستغناء عنها أصلا، بين تحسين خدمات التعليم والصحة أو زيادة الرواتب، بين خفض الأسعار أو سداد أقساط وفوائد الديون الخارجية المستحقة على الدولة.

وهذه النغمة المتزايدة بين معظم الحكومات العربية غير صحيحة وتأتي في الوقت الذي تقول فيه الأرقام إن المواطن يسدد للدولة ما يفوق كثيراً قيمة الخدمات التي يحصل عليها، وأن المواطن بات يدفع أخطاء وكوارث حكومات فاشلة وفاسدة تعاقبت على حكم دول المنطقة وسمحت لمجموعة محدودة من رجال الأعمال واللصوص، وعلى مدى سنوات طويلة، بالهيمنة على خيرات وثروات البلاد.

وغضت هذه السلطات الطرف عن جرائم تهرب كبار المستثمرين من سداد الأموال المستحقة عليهم للدولة من ضرائب وجمارك وتأمينات اجتماعية، كما غضت الطرف عن رجل أعمال واحد تكفي الضرائب المستحقة عليه المتهرب من سدادها بناء مئات المستشفيات ودور الرعاية الصحية والمدارس.

كما أن أداء هذه الحكومات الفاشلة تسبب أيضاً في تضخم فاتورة الدين العام بما فيها الداخلي والخارجي، وبالتالي تحميل عدة أجيال كلفة هذا الدين.

أموال مقابل خدمة

النظريات الاقتصادية والأعراف المطبقة في معظم دول العالم تقول إن الحكومات تحصل على ضرائب وجمارك ورسوم وعوائد وتمغات من شعوبها مقابل التزامها بتقديم خدمات أساسية للمواطن من أبرزها:

1- تعليم حديث، ومدارس أقل كثافة يتم تمويلها وتشييدها من إيرادات الدولة التي هي في الأصل أموال المواطنين، ولا يتم بناؤها عن طريق اقتطاع جزء من راتب الموظفين بالدولة عنوة وبشكل لا يراعي الأزمة المعيشية التي يمر بها ملايين الأشخاص المنتمين للجهاز الإداري للدولة.

2 – وسائل مواصلات حديثة ومتوافرة في كل المناطق وبسعر مناسب لكل الطبقات.

3 – بنية تحتية قوية من رصف طرق وإقامة جسور وأنفاق وشبكات كهرباء وتليفونات واتصالات ومياه نقية صالحة للشرب وصرف صحي وغيرها.

4 – رعاية صحية خاصة لكبار السن وتأمين طبي للجميع ومستشفيات وعلاج وأدوية مجانية، كل ذلك يتم تقديمه بتكلفة تناسب كل طبقات المجتمع ودخولهم وإن كانت محدودة.

5- توفير خدمات الأمن، بحيث يكون كل شخص آمناً على نفسه وأسرته وماله وعمله.

6- توفير فرص عمل سواء بشكل غير مباشر عن طريق توفير مناخ مناسب للأستثمار وتشجيع القطاع الخاص ورجال الأعمال على التوسع، أو بشكل مباشر عن طريق إقامة مشروعات استثمارية وخدمية.

إضافة لعشرات الخدمات الجماهيرية الأخرى التي تقدمها الحكومات لمواطنيها في كل دول العالم، هذا عقد بين المواطن وحكومته، والحكومة ليست فقط فارض ضرائب ومحصل رسوم وجابي عوائد، أو تأخذ أموالا من الشعب باليمين ولا تعطي بالشمال.

الحكومات ليست بزنس مان

الحكومات ليست كذلك مستثمرا ورجل أعمال وبزنس مان همه الأول هو تحقيق الأرباح وجني الأموال وتضخيم الأرصدة المصرفية حتى ولو جاء ذلك على حساب الطبقات الفقيرة والمعدومة، بل هي وسيط يحصل على المال من المواطن ثم تعيد إدارته واستثماره بشكل ينفع الجميع.

الحكومة كذلك رقيب على الأسواق، يحارب الاحتكارات ومافيا السلع، ويضمن انسياب السلع وخضوعها للعرض والطلب وقوى السوق وليس لبارونات الاستيراد من التجار والمستوردين.

لن أتحدث هنا عن ضرورة توفير الحكومات خدمات أخرى للمواطن مثل الحياه الكريمة والحريات العامة وحقوق المواطنة وإنفاذ القانون على الجميع ومحاربة الفساد واحترام حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، بل وتوفير وسائل ترفيه، فهذه أمور بديهية لا يجوز النقاش فيها أو التنازل عنها تحت أي حجج.

بل أتحدث فقط عن الخدمات الأساسية التي يجب أن يتمتع بها المواطن مقابل سداده التزامات مالية ثابتة أو غير ثابتة من دخله المحدود، وهذه الخدمات تقدمها الدول الرأسمالية العريقة مثل بريطانيا قبل غيرها من الدول الاشتراكية، بل إن دولا كثيرة تقدم راتباً شهرياً لأي مواطن يفقد عمله أو يبحث عن فرصة عمل، وهذا الراتب قد يفوق أحيانا راتب العاملين في بعض الدول.

هذه مصادر أموال المواطن

وبالتالي عندما تأتي سلطة أو حكومة ما وتقول للمواطن: “من أين أوفر لك مكاناً في القطارات ومترو الأنفاق وأتوبيسات النقل العام وبسعر يناسب قدرتك المالية، من أين أوفر لك خدمات الكهرباء والمياه والمدارس والمستشفيات بتكلفة تناسبك، من أين أوفر لطفلك مقعداً في المدارس والمعاهد والجامعات الحكومية، من أين أوفر لك سريراً في المستشفيات العامة عندما تتعرض لوعكة صحية طارئة؟”.
هنا يجب أن يسارع الموطن ويرد بكل قوة وثقة “وفروها من أموالنا وضرائبنا ورسومنا التي ندفعها عن مئات الخدمات الحكومية، وفروها من المليارات التي تقتطع من رواتبنا ودخولنا المحدودة والتي يأكلها التضخم وتراجع قيمة العملة، وفروها من حصيلة ثروات بلادنا النفطية والغازية، من إيرادات السياحة والصادرات والممرات المائية، وفروها من تحويلات العاملين في الخارج، من أرباح الشركات والبنوك والمؤسسات التابعة للدولة، من بيع الأراضي وبيع الأصول، من ضرائب الدخل والقيمة المضافة والضرائب العقارية وهي بمئات المليارات”.

الحكومات لا تمن على شعوبها، ولا تتصدق عليهم من جيوبها أو جيوب كبار مسؤوليها، والوزراء يتقاضون رواتبهم من ضرائب الشعب، والمواطن هو السيد وليس العكس، والحكومة مجرد خادم أو موظف يذهب لحال سبيله إذا قدم خدمات فاشلة للمواطن أو أساء إدارة مال سيده.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

سليم عزوز يكتب: موسم الهجرة إلى قطر!

بوابة القليوبية 12 نوفمبر 2018 كان “محمد بن سلمان” هو الصوت، وكان “السيسي” هو الصدى! ...