محمد ثابت يكتب: منذ 40 عاما.. نجيب الكيلاني يصف مصر الآن!

بوابة القليوبية 7 نوفمبر 2018

في عام 1968م، كان المعتقل الكاتب الراحل الدكتور نجيب الكيلاني قد أتم سنتين متصلتين وخمس سنوات منفصلة في تسعة معتقلات. وكان رحمه الله قضى ثلاث سنوات من قبل في منتصف الخمسينيات وما تلاها في المعتقلات المتفرقة؛ بتهمة الانتماء لتنظيم الإخوان المسلمين.

ولكنه في المرة الأولى كان (كما يصف نفسه وحاله ومرارته في الجزء الثاني من مذكراته) بمفرده.. بلا زوجة أو ثلاثة من الأبناء. أما في المرة الثانية، فكان يعمل في مدينة أبو زعبل القريبة من القاهرة، لمميزاتها الشديدة، من السكن المعتبر المجاني ورخص الأسعار وقربها من القاهرة، لكن صديقه مسؤول المباحث لما أراد القبض عليه، وقف نجل الكيلاني الكبير ذي الثلاث سنوات أمام سيارة الترحيلات قائلا في براءة دمعت لها عينا الأديب الكيلاني رحمه الله:

– إلى أين تذهبون بـ”بابا” ولماذا؟!

..فيما أخذت الأسرة تهرول خلف السيارة في محاولة يائسة لاسترداد عائلها.

وفي المعتقل – مجددا – عانى الراحل من صنوف عذاب لم تكن تخطر له على بال، وهو الأديب الذي ذاع صيته قبل نهاية الاعتقال الأول؛ بحصوله ونيله عددا من الجوائز لإبداعه الروائي، حتى أنه تسلم إحداها من وزير التعليم وهو لمّا يزال في السجن الحربي.. كما أدرجت الوزارة مؤلفه الفائز ضمن مناهج التربية والتعليم ـ وفي فترة “الاستجمام” بين المعتقلات التسعة وفترتي الأسر والاعتقال، نال الكيلاني جائزة جديدة من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر نفسه، بالإضافة لصيته الذي ذاع، ومحاولة تحويل عدد من رواياته لأفلام مصرية وعربية.

ولكن قرار الرئيس الراحل باعتقال كل من سبق له الاعتقال أو يشتبه فيه؛ أدى في عام 1966م إلى أن تلف مصر موجة من الظلام الدامس الشديد، حتى أن الاعتقالات التي شملت عشرات الألوف طالت أناسا كانوا محبوسين منذ سنوات، وصاروا الآن مشاهير، مثل الأديب الراحل محمود شاكر، والشاعر عبد الرحمن الأبنودي، والناقد السيد حافظ، بالإضافة إلى كبار المُجيدين في مجالات الطب والهندسة والدعوة والحياة العامة في مصر بوجه عام.

وطالت الاعتقالات الجديدة شخصا آخر كان عاقلا من قبل، فصار مجنونا أتوا به من مستشفى الأمراض العقلية، بالإضافة إلى مجموعة من المزارعين البسطاء تمت تبرئتهم من قبل، وكان اسم تنظيمهم تنظيم زراعة “الحلبة”. وأصل القصة أن فتى كان يدرس في المرحلة الإعدادية في منتصف الخمسينيات تم “ضبطه” ومعه دفتر من دفاتر “كراسات” الطلبة مكتوب عليه:

– “الهضيبي نعم.. عبد الناصر لا”!

أما الهضيبي، فهو المستشار حسن الهضيبي، المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الثاني بعد الإمام الراحل حسن البنا. وكلمات “التلميذ” تدل على أنه مناصر للإخوان ضد حكم عبد الناصر، بخاصة لما انقلب وعليهم، بعد أن عاهدهم على السمع والطاعة ثم أطاح بهم.

أما الأعجب، فإن “الكراس” كان يحتوي أسماء عدد كبير من الحفاة العراة الفلاحين الذين يعملون بالأجر في جني محصول “الحلبة”، وأوكل صاحب الأرض أمر كتابة أجورهم للتلميذ، فصار أمام كل اسم لمزارع ما له من الملاليم حتى الساعة، لكن رجال المباحث (أمن الدولة) اعتبروا الأمر تنظيما سريا، وقبضوا على الجميع، وأوسعوهم ضربا وتعذيبا (بعد ترحيلهم إلى القاهرة)، حتى تبين لهم واكتشفوا أنهم لا يعرفون شيئا عن السياسة من الأساس، ولا حتى تنظيم الإخوان، فتم الإفراج عنهم، لكن بعد قرار إعادة الاعتقال الجديد في 1966م أعيدوا جميعا للمعتقل من جديد.

وفي المعتقل، وفي يوم الكيلاني الأول، اكتشف بعد أن تم تجريده ورفاقه من ملابسهم تماما وجريهم عراة حفاة في طابور حتى العنبر؛ أن ملابس السجن لا تستر العورات المغلظة لخيرة رجال مصر من الذين تمت إعادة اعتقالهم لخوف عبد الناصر من أن تكون هناك مؤامرة لقتله، دون أن يعرف عن حقيقتها شيئا، فآثر اعتقال كل الذين تم اعتقالهم من قبل أن يشتبه في انتمائهم إلى الإخوان، ولو كان أحدهم شديد النقد لهم (الراحل الأديب محمود شاكر)، أو شيوعيا مثل “الراحل الأبنودي”، أو حتى من أوقعته أقداره في أن يسير في الشارع الذي يقع فيه بيت عبد الناصر بالخطأ، أو مريضا بالجذام (وكان كان سائق عربة كارو يجرها حمار ضمن المعتقلين من جديد)، بالإضافة إلى مصابين اثنين بالسل.. وغالبا ما كان الجميع يتم “ضربهم” في خلاط واحد، أي يقيمون في عنابر متجاورة إن لم يكونوا في عنبر واحد.

وفي اليوم الأول للاعتقال من جديد، عرّف الأديب الكيلاني الإنسان بأنه حيوان يستطيع ارتداء “كليسون”.. والكليسون هو بنطلون قطني ضيق يرتديه كثيرون أسفل الملابس دفعا للبرد وسترا للعورة، أي أن الإنسان صار الذي يستطيع مجرد ستر عورته.

وأفاض الكيلاني في بسط البلايا والمصائب التي عاناها من جديد في المعتقلات، حتى أنه تم تعيينه “شيخ عموم الزير”. والحكاية ببساطة أن المياه لما كانت تنقطع عن أحد العنابر التي أقام فيها الأديب الراحل لساعات طويلة، كان المعتقلون يعانون العطش بالإضافة للاحتقان الناتج عن الراغبة في قضاء الحاجة، فلما تأتي المياه لقرابة الساعة كانوا يتدافعون بالعشرات للشرب، فلا هم بالذين يرتوون أو يملأون الزير؛ ادخارا للمياه للحاجة الشديدة إليها بعد انقطاعها من جديد، ومن تلك الحاجة التطهر في دورات المياه، ولذلك تم تعيين الأديب اللامع الذي قرن اسمه في نهاية الستينيات بالأديب نجيب محفوظ (لتسميته بنجيب هو الآخر وجودة إنتاجه)؛ مسؤولا لعموم الزير، لتنظيم أمر التصرف في المياه بين فترتي انقطاعها!

وفي المعتقل، أحزن الكيلاني أن زوجته تم التحقيق معها لمجرد أنها عرفت أن زوجها مسجون بسجن “أوردي طره”، كما أن السيدة أمينة قطب، والسيدة “زينب الغزالي” وغيرهن (رحم الله الجميع)، تم القبض عليهن بتهم سياسية، للمرة الأولى في تاريخ مصر.

أما ما حدث بعد أن أنعم الله على الكيلاني بالخروج من المعتقل، وهو ما بدأنا به المقال، فهو أنه وجد زوجته مريضة نتيجة النزيف المستمر طوال فترة غيابه، فعرضها على زميل له، طبيب نساء، فقرر إجراء جراحة عاجلة لها. أما ما فعلته السيدة “كريمة محمود شاهين” (زوجة الكيلاني)، فهو أنها بعد الجراحة، وقبل أن تفيق من المخدر (البنج)، راحت تسب عبد الناصر بألفاظ قال عنها زوجها في الجزء الثاني من المذكرات المعنونة باسمه؛ أنها كانت “سيلا مقذعا”، فما كان من الكيلاني إلا أن حاول سد فمها بيده لكي لا يكتب الطبيب الحاضر والممرضة فيه تقريرا يمنعه من السفر في البداية إلى الكويت، فرارا من مصر، لولا أن ضحكت الممرضة قائلة:

– لو كنا مكانها لقلنا أكثر.. فدعها!.. وكذلك قال الطبيب.

من فضلك انس تماما وتجاهل أن ما حدث للكيلاني وعشرات الآلاف منذ بداية المقال حدث في عصر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر منذ أكثر من 40 عاما.. لتجد أن الأمر يتكرر وبصورة موسعة اليوم وللأسباب نفسها.. في مصر أيضا!

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

سليم عزوز يكتب: موسم الهجرة إلى قطر!

بوابة القليوبية 12 نوفمبر 2018 كان “محمد بن سلمان” هو الصوت، وكان “السيسي” هو الصدى! ...