ياسر عبد العزيز يكتب: سردية الدم المسيحي في مصر

بوابة القليوبية 6 نوفمبر 2018

“الدم المصري كله حرام”.. هذا الشعار الذي رفع أيام الثورة المصرية من كل مخلص مصري يعرف المعنى الحقيقي للوطن والمواطنة؛ لم يكن وليد ثورة يناير، فتاريخ مصر الحديث عرف ذلك الشعار. فالوعي الشعبي بقيمة المواطنة لم يضعف منذ مئات السنين، لكن تغيرا ما طرأ على ذلك الوعي بأحداث شاذة عكرت هذا المفهوم، وأججت صراعا وهميا بين مسلمي ومسيحي الأمة المصرية.

لكن المدقق لتاريخ هذا الصراع يجد أنه بدأ ما بعد 1952 بتعامل العسكر مع المسيحيين بسياسة أرهبت المسيحيين ودفعتهم للهجرة من مصر. وعلى الرغم من العلاقة الوطيدة القائمة على اتفاق بين البابا كيرلس وعبد الناصر والتي مفادها “اضمن لي ولاء المسيحيين، أضمن لك زعامة مطلقة عليهم”، إلا أن تعامل عبد الناصر مع الأجانب الذين تربطهم علاقة مصالح قوية بالمسيحيين أخاف المكون المسيحي، ودفع كثيرا منه إلى الهجرة بعد ضرب مصالحه بطريقة غير مباشرة. وعلى الرغم من تهميش هذا المكون من قبل السلطة، إلا أنه شعبيا لم يحدث صدام بين مكوني الدولة، فبقية الأزمة بين السلطة والمسيحيين.

أما في عهد السادات، محترف اللعب بالمتناقضات، فاستخدم مسلمين لضرب المكون المسيحي الذي كان على خلاف طاحن مع زعيمه الروحي، البابا شنودة، فظهر الاحتكاك المباشر بين مكونات الأمة بتغذية من السلطات الأمنية تارة أو من خلال سياسة غض الطرف تارة أخرى، فتقع أحداث مثل حادث الزاوية الحمراء، لتنفتح طاقة لم يكن المجتمع المصري راغبا في فتحها، لكنها لعنة التوازنات القذرة التي تفرض على الشعوب لمصالح ضيقة لا يستفيد منها إلا الحاكم الدكتاتور. واستمر الوضع على ما هو عليه بعد رحيل السادات، وبتولي مبارك وبدء عهد جديد حاول البابا شنودة الوصول لهدفه الذي لم يتمكن منه في عهد مبارك، إلا أن مبارك حاول قدر المستطاع تجنب الصدام المباشر. مع ذلك، كانت العمليات التي لا يمكن إغفال بصمة الأجهزة الأمنية فيها تقع من وقت إلى آخر، والتي كان آخرها كنيسة القدسين، والتي اعترف بارتكابها وزير داخلية مبارك، حبيب العادلي.

وبعد ظهور الوحدة بين مكوني الأمة في ثورة يناير، كان لزاما أن تضرب تلك الوحدة، فلعبت “الطائفية غير الحقيقية” دورا مهما كسلاح بيد الدولة العميقة والثورة المضادة إبان الثورة المصرية، فاستخدم المجلس العسكري أحداثا متكررة، كمحاولات هدم كنائس أو صدامات مباشرة بين مكوني الدولة لإحداث الفوضى وفرض سيطرته على الأمور وإسكات الأصوات المطالبة بالتغيير. وقد تأكد ذلك في الفترة التي حكم فيها الرئيس المنتخب من قبل الثورة، لكن الحقيقة الواقعة، والتي لا يمكن أن يخطئها مدقق، أن مكوني الدولة المصرية ليس بينهما أزمة حقيقية، وأن الطائفية إنما هي صناعة أنظمة دكتاتورية استفاد منها الغرب وغذاها للضغط على هذه الأنظمة الغبية. لكن علميا، فإن مصر لا تعاني من الطائفية، ولو أتيحت لها حياة ديمقراطية أو حتى استقرار سياسي بحكام أسوياء لن تقع مثل هذه الأحداث.

تنظيم الدولة الذي أعلن مسؤوليته عن حادث حافلة ركاب كانت تقل مسيحيين في محافظة المنيا، وأوقع سبعة قتلى وإصابة مثلهم أثناء عودتهم من دير الأنبا صموئيل، لا يمكن حسابه على الشعب المصري المسلم والمسالم بطبيعته. فتنظيم الدولة يشبه إلى حد كبير شركة مساهمة تتداول أسهمها مخابرات العالم لتنفيذ مخططات تفضي لنتائج سياسية تستطيع دولة التنفيذ أو التمرير جني مكاسب منها، ولا يمكن إغفال يد النظام المصري في تمرير أو التخطيط، أو حتى تنفيذ تلك العملية، ولذلك أسبابه الوجيهة.

قد يقول قائل: إن مسيحيي مصر هم ظهير قوي للنظام، وهم من دعموه بأوامر من الكنيسة – ولا زالوا – سواء شعبيا أو حتى سياسيا في الداخل والخارج. ولا ينفك قادة الكنيسة عن تلقين “شعب الكنيسة” أهمية المحافظة على النظام الحالي، لما وُعدوا به من مكاسب، والدليل دعم رأس النظام “شعبيا” بإخراج المهاجرين المسيحيين في كل بلد يذهب إليها لإظهار الشعبية المفقودة لرأس النظام، والتي كان آخرها في ألمانيا منذ أيام، فكيف للنظام أن يعاقب من يحسن إليه؟

والإجابة تكمن في السؤال، ففي الزيارة الأخيرة لألمانيا وجهت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل لوما شديدا، وصل إلى حد التوبيخ لرأس النظام على الحالة الحقوقية في مصر، كما سُرب من الجلسة المغلقة، والذي تأكد في المؤتمر الصحفي الذي جمع السيسي بميركل. وكان رد السيسي، الذي لا ينفك عنه منذ انقلابه على الديمقراطية، هو أن مصر تحارب الإرهاب، فلا يسألني أحد عن حقوق الإنسان في دولة مهددة بالإرهاب.

لذا، فكان لزاما أن يثبت صاحب العقلية الدموية للمستشارة الألمانية، وفي رد سريع، صحة كلامه، ولم يكن أفضل من صيد ثمين ومغر ومستفز في نفس الوقت؛ لمشاعر المستشارة الألمانية رئيسة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، انظروا إلى مدى رخص الدم لدى هذا النظام الانقلابي الدموي. فهذا النظام لا يهمه إلا نفسه، وهو شيء غير مستغرب على نظام دكتاتوري، فكل الأنظمة الدكتاتورية القمعية من صفاتها سفك الدماء بدم بارد، فلا تعبأ بحرمة الدم وآخر همها الإنسان.

دعوة لإخواننا في الوطن: اخرجوا من عباءة قيادات الكنيسة المسيسين، فأنتم القربان؛ فلا النظام يعبأ بكم مهما قدمتم من ولاء وتأييد، ولا قيادات الكنيسة ستدافع عنكم، وهي تدفع فاتورة الاتفاقات السياسية التي ستدر عليهم (قيادات الكنيسة) المنافع دونا عنكم.

يا شعب مصر، ما لكم إلا الوحدة، ما لكم إلا التآخي، ما لكم إلا التعايش السلمي الذي تدفع الشعوب من دمها للوصول إليه. لقد منت علينا هذه الأرض بمحبة لم تمنها أرض على شعب مثلنا، فانبذوا هذه القيادات وعودوا إلى ثورتكم يرحمكم الله.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

سليم عزوز يكتب: موسم الهجرة إلى قطر!

بوابة القليوبية 12 نوفمبر 2018 كان “محمد بن سلمان” هو الصوت، وكان “السيسي” هو الصدى! ...