محمد ثابت يكتب: عيد الأضحى.. احتفاء بالفرج لا الابتلاء!

بوابة القليوبية 23 أغسطس 2018

كل عيد أضحى ستتذكر الأمة العربية الإسلامية بالفضل والخير والعرفان رب السموات والأرض الذي فدى سيدنا “إسماعيل” الوليد بـ”ذبح عظيم”، وستظل تردد على مدى الأزمان أن فضل الله كان عظيما على أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، حتى حفظ تعالى نبيه “إسماعيل” من الذبح والموت عطشا لينجب من نسله خير البشر.

ومع الابتلاءات الكثيرة المتعاقبة التي اختبر الله تعالى بها قلب سيدنا “إسماعيل” وأبيه أبي الأنبياء “إبراهيم”، نلاحظ أن أحد عيدي المسلمين، أو “عيد الأضحى”، لا يحتفي بالابتلاء والمحنة والصبر عليها بقدر احتفائه بالفرج وانزياح الغمة، وهكذا هو حال المسلم عبر الأزمان ودوره الدائم في تاريخ الأمة واستقرار العالم كله.

وتاريخ الاحتفال بـ”عيد الأضحى” لا يعرف إلا الأمل ويحتفي به، رغم أزمنة الألم والمحن المتعاقبة المتعاورة المتفاوتة القسوة التي سبقته، لكن دين الإسلام الذي جاء لعمارة الأرض وخلافة الله فيها؛ كيف له أن يحتفي ويحتفل بالمحن، ولا يحتفي ويحتفل بتفريجها ومجيء النور من بعد الظلام؛ والفرج من بعد الكرب؟!

أما أولئك الذين ينظرون للدين الإسلامي الحنيف اليوم (ولو بحسن نية) على أنه محنة من بعد محنة، وكربة من بعد أخرى، وموت على حال أزمة، وتنكر للخطوات التي تؤدي إلى الفرج، ولو بعد عدة سنوات، ومن ثم حماية الدين (أسمى مقاصد الشرع الحكيم) ثم النفس.. أما أولئك، فستبقى أفهامهم وأذهانهم معطلة عن الوصول إلى دروس ديننا الحنيف و،فهم أسراره واستكشاف عبره ودروسه إلى أن يشاء الله تعالى أمرا!

إننا إذ نتذكر محنة سيدنا “إسماعيل” لا نتذكرها إلا أسفل عنوان سامق منير كبير اسمه “عيد الأضحى”، أو الأضحية التي فدت “إسماعيل” من الذبح، ولا نحتفي والعياذ بالله بالذبح نفسه، فأين الذين ينظرون في آي الذكر الحكيم ويدققون، ومن ثم يخبرون الحركيون أو حتى يتحركون؟!

وللمحن التي أصيب بها سيدنا “إسماعيل” مع أبيه “إبراهيم” شأن خاص، ومع ذلك لم يسم تعالى العيد باسمها!

رزق سيدنا “إبراهيم” بـ”سيدنا “إسماعيل” بعد أن بلغ من العمر عتيا وصار شيخا كبير السن؛ فكانت فرحة ولادة الابن الأول له (على الإطلاق) شديدة، استحقت التخليد في “القرآن الكريم” الذي يتلى إلى يوم القيامة إذ قال تعالى على لسان سيدنا “إبراهيم” في السورة المسماة باسمه، عليه السلام: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ? إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39)”.

ونلاحظ تقديم سيدنا “إسماعيل” على سيدنا “إسحق”، إذ ولد قبله من السيدة “هاجر” ومنه سيمتد النسل الشريف حتى سيدنا “محمد” صلى الله عليه وسلم.

ولكن “إسماعيل” الرضيع يأتي به الأمر العلوي الإلهي في ابتلاء أول شديد، إذ يذهب أبوه به وأمه إلى شبه الجزيرة العربية وهناك في الصحراء المترامية الأطراف، مع قليل من الماء والتمر يتركه وأمه ويمضي عنهما؛ زوجته التي رزقه الله منها الولد على الكبر، والابن الذي كان وما يزال قرة العين وفلذة القلب.. يدعهما في الصحراء.

وتسأل الأم زوجها إلى أين يمضي ويتركهما.. ثم ما تلبث أن تتذكر أنه رسول فتهتف به:

– آلله أمرك بذلك؟

– نعم.

– إذن فلن يضيعنا!

أي إيمان وأي تسليم وأي اطمئنان هذا لأمر الله تعالى؟!

ولكن الطعام والماء ينفذان، كما ينفذ اللبن من صدر السيدة “هاجر” فلم تلبث إلا أن تهرول بين مكانها وجبل الصفا.. في قلب الهجير، سبعة أشواط وفي كل مرة تنظر هل من أحد هناك أو شيء يغيث طفلها من الجوع والعطش الشديدين.. وفي المرة السابعة جاءها الفرج بتفجر بئر زمزم أسفل قدمي الوليد، وعلى رائحة المياه وهجرة الطيور إليها جاءت قبيلة “جرهم” لتستأذن السيدة “هاجر” وتقيم قرب المكان.. ولتحقق دعوة أبي الأنبياء إبراهيم ـ عليه السلام:

“رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَة مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)” سورة إبراهيم.

وذكر بعض العلماء أن سيدنا إبراهيم خص في دعائه للقوم الذين يجاورون سيدنا “إسماعيل” والسيدة “هاجر” بأفئدة” أي آناس ملء قلوبهم محبة ورأفة وشفقة.. ولولا أنه قدم أفئدة على الناس لاجتمعت البشرية الحية يومئذ على “إسماعيل” عليه السلام وأمه.

وتمر الأيام والسنون ويكبر سيدنا “إسماعيل” ويشب، ولكن الابتلاء يعود من جديد، وهذه المرة ليس عبر وحي مباشر، بل رؤيا تتكرر ثلاث مرات، ولكن رؤيا الأنبياء حق، لذلك يبادر سيدنا “إبراهيم” بإخبار ابنه الأمر: “فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى? فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى? ? قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ? سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)” من سورة الصافات.

كبر سيدنا إسماعيل وصار يمشي مع أبيه.. هنالك جاء الأمر الإلهي الثاني بذبحه.. أي أنه نجا صغيرا من الموت جوعا وعطشا ليذبح كبيرا.

ويذهب سيدنا “إبراهيم” إليه ليشوره لكيلا يجزع سيدنا “إسماعيل” عند تطبيق أمر الله.. فيخبر الأخير أباه أن يفعل ما يؤمر وسيكون صابرا بإذن الله.. وعندما يسلما وينيم أبو الأنبياء ابنه “إسماعيل”، يفديه تعالى بذبح عظيم.

ونبقى على مدار الدهر نأسى ونتأسى بمحن سيدنا “إسماعيل” وسيدنا “إبراهيم” وصبر وثبات السيدة “هاجر”، لكنا نحتفل بالصبر وتفريج الكرب مع الأضحية.. بعكس ما يفهم البعض!

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

سمير العركي يكتب: السلفية “السعودية” أزمة الاستمرار وضرورة الرحيل

بوابة القليوبية 14 ديسمبر 2018 على مدار عقود تسيدت السلفية “السعودية” الساحة الإسلامية سواء على ...