جمال نصار يكتب: ستنتصر تركيا برغم التحديات والمؤامرات

بوابة القليوبية 16 أغسطس 2018

في البداية لست من أنصار نظرية المؤامرة بشكل عام، ولكن المتأمل لما يحدث في تركيا أخيرًا على مستوى العملة المحلية (الليرة) يقطع بما لا يدع مجالًا للشك أن هناك تدابير ضد تركيا، منذ فترة، وكان من معالمه التخطيط للانقلاب الفاشل في يوليو/ تموز من العام 2016، ولمّا فشل الانقلاب على الرئيس المنتخب، تحاول تلك الجهات والدول اصطناع المشاكل لتركيا، ودفعها إلى الأزمات تلو الأخرى.

ومما زاد هذه الدول الحانقة والمتآمرة على تركيا، فوز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الانتخابات الرئاسية الأخيرة ومن الجولة الأولى، وانتصار تركيا في الانتقال إلى النظام الرئاسي بشكل سلس، على الرغم من كل التحديات التي قابلت الدولة التركية.

والسؤال الذي يطرح نفسه من حين لآخر، لماذا كل هذا الحقد على تركيا من دول إقليمية مثل: الإمارات والسعودية ومصر، وتآمر دولة عظمى بحجم الولايات المتحدة الأميركية، على الرغم من وجود علاقات استراتيجية بين البلدين؟!

أقول: لا شك أن هناك مجموعة من العوامل المتظافرة تجمّعت للتحريض ضد تركيا، من أهمها ما قام به حزب العدالة والتنمية من استقرار على مستويات عدة، وما انتهجه من سياسات رشيدة أخرجت تركيا من عزلتها، وقرّبتها من محيطها العربي والإسلامي، فأصبح لها دور فاعل في قضايا الأمة العربية والإسلامية، وفي طليعتها قضية فلسطين، فإسرائيل لم تنس لأردوغان مواقفه في منتدى دافوس، ولا محاولاته فك الحصار عن غزة، ولا احتضانه للمظلومين من بلاد عديدة، مثل: سوريا، ومصر، واليمن، وليبيا، والعراق، والوقوف بجانب حق الشعوب العربية في تقرير مصيرها، ونصرة القضايا الإسلامية في كل مكان.

ونلاحظ أن الغرب والولايات المتحدة الأميركية خصوصًا، وبالطبع إسرائيل، لا يريدون لتركيا علاقات تجارية وثقافية ودينية مع محيطها العربي والإسلامي، ويهدفون إلى تمزيق تركيا وعزلها عن محيطها، وشغلها واستنزافها في حروب داخلية، كتلك التي مع حزب العمال الكردستاني، أو خارجية كتلك التي مع الحزب الديمقراطي السوري، ووحدات حماية الشعب، كل هذا وغيره ينزع عن تركيا استقرارها، ويحرمها النمو والازدهار المتحقق خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية، ولا يزال إضعاف تركيا وإفشال مشروعها الحضاري النهضوي حلمًا يراود أعداء تركيا التاريخيين، وكذلك إسرائيل التي لا ترى في أردوغان رجلًا يمكن أن يحقق لها طموحاتها في المنطقة، فالغاز المكتشف فيها لا يمكن تصديره بسهولة إلا عن طريق تركيا.

وكذلك لأن تركيا ذات الموقع الجيوسياسي المهم، وربما الأهم في العالم، لأنه ملتقى القارتين (أوروبا وآسيا)، ومجمع البحرين (الأبيض والأسود)، والمهيمنة على المضيقين (البوسفور والدردنيل)، والجسر الشرقي الذي عبرت عليه الحضارة الإسلامية إلى أوروبا في أوج ازدهارها، حاولت انتهاج سياسة صفر مشاكل، واتخذت من التعاون الاقتصادي وسيلة للتقارب مع دول المنطقة، فازدهرت تركيا الجديدة بناتج محلي يصل إلى نحو 1.5 تريليون دولار ليصبح اقتصادها السادس عشر عالميًا، وأكبر سادس اقتصاد في أوروبا، ولتصبح عضوًا فاعلًا ومهمًا في مجموعة العشرين، واحتلت تركيا المركز الثاني كأكبر مُنتِج للصُلب بين بلدان الاتحاد الأوروبي الـ27 والمركز الثامن عالميًا، وبعد أن أكدت هويتها الإسلامية تتطلع من خلال برنامج تنموي شامل لتصبح مع حلول عام 2023 في المركز العاشر عالميًا، وقادرة على إنتاج كل ما تحتاجه من سلاح وعتاد من البندقية حتى الطائرة، وهذا ما قاله أردوغان: “هدفنا هو تخليص صناعات الدفاع بالكامل من الاعتماد على الخارج بحلول عام 2023″، لذلك كله فإن الغرب لا يريد لتركيا أن تبقى مستقرة حتى لا تتمكن من إنجاز ما تريد، ولا ما تحلم به لنفسها، ولعالمها الإسلامي، لذلك فهم يتآمرون عليها.

لأجل هذا أخذوا في – الآونة الأخيرة – يلعبون في العملة التركية، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، لإحداث هزة في الاقتصاد التركي وخلخلته، فالعملة التركية انخفضت بنسبة 20% مقابل الدولار، ما يعكس مجموعة من المخاوف تشمل التوترات مع الولايات المتحدة على خلفية قضية القس (آندرو برونسون)، بالإضافة إلى عدم رغبة السلطات التركية في رفع أسعار الفائدة، كما أمر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بزيادة التعريفة الجمركية على الصلب والألومنيوم التركي، بعد أن فرض عقوبات على كبار المسؤولين الأتراك، لدورهم في احتجاز القس برونسون.

وجاء رد فعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان متحديًا، إذ قال: “لا تنسوا هذا، إذا كان لديهم دولارات، فلدينا شعبنا وعدالة الله، وسوف نخرج من الحرب الاقتصادية بنجاح”، وأكد أنه اتخذ جميع التدابير والاحتياطات للتصدي للمؤامرات التي تستهدف الاقتصاد التركي وسيفشلها، وقال أردوغان: إنهم يعرفون حقيقة المؤامرات والهجمات من وكالات تعتبر نفسها اقتصادية، بينما الحملة على تركيا غير مرتبطة بالاقتصاد أبدًا.

وطمأن الشعب التركي والمستثمرين قائلاً: “إن ‏تركيا تتمتع بنظام مصرفي وبنكي وضعها في المرتبة الأولى، وتتمتع باستقرار سياسي واقتصادي منذ 16 عامًا؛ لذا لا توجد أي أسباب تؤدي إلى تراجع عملتنا”. وقال أردوغان في كلمة ألقاها الثلاثاء (2018-8-14) في ندوة بالعاصمة أنقرة بمناسبة الذكرى السادسة عشرة لوصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم: “سنقاطع المنتجات الإلكترونية الأميركية، وعازمون على تصنيع وتصدير منتجات بجودة أفضل من تلك التي نستوردها بالعملات الأجنبية”، وأضاف: “بعد أن فشلوا في إرغامنا على تنفيذ ما يريدونه على الأرض، لم يترددوا في استخدام السلاح الاقتصادي ضدنا”.

وفي النهاية أقول: إن تركيا قادرة على الانتصار في هذا التحدي لعدة أسباب، منها: أن تركيا تمتلك بنية اقتصادية قوية وليست ضعيفة، فهي من الدول التي تنتج أكثر مما تستورد، كما تملك شبكة من التصنيع الضخم من الإبرة إلى الصاروخ، ومن صناعة المنسوجات الراقية إلى صناعة السيارات التي تصدرها للسوق الأوروبي القوي، إلى الصناعات الغذائية المتفوقة، فضلًا عن دخولها بقوة في صناعة السلاح، والشركات التركية تشارك شركات أمريكية في صناعة أحدث الطائرات الحربية “إف 35″، وتمتلك تركيا احتياطًا نقديًا جيدًا يصل إلى 120 مليار دولار، منهم حوالي 25 مليار سبائك ذهبية قامت بنقلها من أمريكا مؤخرًا، كما أنها تملك قدرة تصدير حققت 157 مليار دولار العام 2017، ويبلغ ناتجها القومي السنوي أكثر من 863 مليار دولار، ونسبة الديون أقل من 28% من الناتج القومي، والقطاع السياحي وحده حقق لها حوالي 26 مليار دولار العام الماضي .

فتركيا ليست اقتصادًا هشًا، ولا ريعيًا، ولا أحادي المورد، وبالتالي فهي تملك القدرة على احتمال الضربات، والتصدي لمثل هذه الألاعيب، وفي النهاية ستنتصر تركيا، لأنها تحمل في داخلها عوامل النصر والتقدم.

وأختم بقول أردوغان في نهاية مقاله في صحيفة (نيويورك تايمز): “على واشنطن، قبل أن يفوت الفوت، أن تتخلى عن الفكرة الخاطئة لديها بأن علاقتنا يمكن أن تكون غير متماثلة كما عليها أن تتعايش مع حقيقة مفادها أن تركيا لديها بدائل”.

ومن ثمّ أدعو كل المخلصين والمحبين لتركيا إلى التعامل بالليرة التركية بقدر المستطاع، كل حسب قدرته وإمكانياته ولو بالقليل، ومقاطعة المنتجات الأميركية، وخصوصًا المتعلقة بالاستهلاك الشخصي، حتى يشعر العالم أن تركيا ليست وحدها.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

سليم عزوز يكتب: موسم الهجرة إلى قطر!

بوابة القليوبية 12 نوفمبر 2018 كان “محمد بن سلمان” هو الصوت، وكان “السيسي” هو الصدى! ...