سليم عزوز يكتب: الوقت يداهم “الزلمة”!

بوابة القليوبية 8 أغسطس 2018

سخرنا بما فيه الكفاية؟.. إذن ندخل في الجاد من القول، في كلام عبد الفتاح السيسي الذي قاله في مؤتمر الشباب!

لا أستهجن السخرية من كلام المذكور، فكلامه يدعو لذلك. والفكاهة هنا ليست مفتعلة، كما أنني لا أقلل من سلاح السخرية الذي أتقن المصريون استخدامه على مر التاريخ، فكان “أداء العاجز” الذي أزعج أصحاب الحول والقوة. وهو السلاح الذي ساهم في إنزال السيسي من عليائه، بعد أن كان يُنظر إليه على أنه يتمتع بالوجاهة الاجتماعية، كونه ينتسب للمؤسسة العسكرية، ولخير أجناد الأرض!

بيد أن الفكاهي في كلامه قد أخذ حقه من الاهتمام والتعامل، فأرى من الضروري أن ننتقل إلى كلامه الجاد، الذي ربما لم يلفت انتباه الناس، ربما لأنه – كعادته – لم يكمل طرحاً، ولأن ما قاله يدخل في حيز التفكير بصوت مسموع، باعتباره فكرة لم تكتمل!

السيسي في هذا اللقاء عاد إلى حدود ما قبل كانون الثاني/ يناير 2011، وبدا أنه يفكر في أن يعود بالإخوان المسلمين إلى ذات الفترة، لكنه لم يحسم موقفه منهم بعد!

قبل كانون الثاني/ يناير 2011، كان يحكم مصر الرئيس مبارك، وهو في تعامله مع القضية الفلسطينية مرتبط بقاعدتين: الأولى ضرورة عودة إسرائيل إلى حدود ما قبل حزيران/ يونيو 1967 وبدولة فلسطينية عاصمتها “القدس الشرقية”. والثانية: القبول بما يقبل الفلسطينيون أنفسهم به. وهو الموقف العربي العام، الذي تنطلق منه الأنظمة العربية!

ولم يحدث أن ذكر عبد الفتاح السيسي هذا على طرف لسانه من قبل، لكننا فوجئنا به وقد أعلنه في مؤتمره الأخير، وزاد عليه بأن “صفقة القرن” توصيف إعلامي، متراجعاً عن انحيازه لها، ولم يكن ما قاله صحيحاً!

فأول مرة سمعنا فيها بمسمى “صفقة القرن” كان منه، في لقائه مع الرئيس الأمريكي ترامب، عندما أعلن أنه معه في “صفقة القرن”، دون أن يحدد معالمها، ففتح باب الاجتهاد حولها، وكان مما قيل إنها تعني إقامة دولة فلسطينية على غزة وجزء من سيناء، وتبين أن هذا مشروع قديم، وكانت هناك دلائل قديمة وحديثة تؤكد هذا الاتجاه!

وفي فترة سابقة، تم الإعلان عن أن الرئيس الأمريكي قرر تأجيل “صفقة القرن”، ثم سرعان ما فرضت نفسها بقوة، حتى بدا أنها صارت قاب قوسين أو أدنى من التحقيق، وذلك خلال الأسابيع الماضية، لكن ها هو السيسي يقول إنها “مصطلح إعلامي”، وإنه مع العودة إلى حدود ما قبل حدود حزيران/ يونيو 1967، ومع دولة فلسطينية عاصمتها “القدس الشرقية”، وأنه يقبل بما يقبل به الفلسطينيون!

ومعلوم أنه لا يوجد طرف فلسطيني يقبل بهذه الصفقة، فحتى الرئيس الفلسطيني “محمود عباس”، أعلن أكثر من مرة رفضه لها، في سياق مناوراته لقطع الطريق على مخطط اسرائيلي، تشارك أطرافا عربية في تنفيذه من بينها مصر والإمارات باستبداله، على أن يحل محله “محمد دحلان”، وهي الخطة التي أفسدتها واشنطن بإعلانها التمسك بالرئيس الفلسطيني الحالي!

“إعلان السيسي” كان في ذات الوقت الذي أعلن فيه “العاهل السعودي” رفضه لـ”صفقة القرن”، وأنه يقبل ما يقبل به الفلسطينيون أنفسهم، ومع العودة إلى حدود حزيران/ يونيو 1967، وبدولة فلسطينية عاصمتها “القدس الشرقية”!

لا نعلم الموقف الأمريكي الآن من “صفقة القرن”، فهل هذه الإعلانات الجديدة من قبل الملك السعودي وعبد الفتاح السيسي؛ هي صدى لقرار أمريكي بتأجيل “صفقة القرن” نتيجة لاستحالة تنفيذ ما تهدف إليه؟ أم أنها تمرد على الموقف الأمريكي، ورسالة لـ “ترامب” بقدرة القوم على التمرد؟

تقوم سياسة “ترامب” على ربط قادة المنطقة به، من خلال تأجيل “الطلب المهم” لكل طرف، وذلك لمزيد من الابتزاز، فرغم ما دفعوه له من أموال سعودية استحلها، فإنه إلى الآن لم يعط موافقته على بدء تنفيذ الطلب السعودي الملح بنقل السلطة من الملك إلى نجله!

وفي أزمة الحصار، فإنه يعلق المصالحة، ويتلاعب بالوقت، فليست لديه إرادة حقيقة على تحقيقها، وقد استفاد كثيراً من هذه الأزمة، التي هي نتاج إشارات أوحى بها لدول الحصار، فكانوا كالحمقى وقاموا بفرض الحصار، لكن لم يسمح لهم بتنفيذ بقية الخطة، وهي الغزو وتغيير النظام القطري!

وفي حالة السيسي (وهي ما تعنينا)، فإن ترامب يعلق له طلباً مهما هو الخاص بتعديل الدستور، بما يسمح له بالاستمرار في الحكم، ومعروف أن النية كانت تتجه لتعديله قبل الانتخابات الرئاسية الاخيرة، وبدا البرلمان وقد عقد العزم على ذلك، قبل أن يتلقى السيسي اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأمريكي، فيعلن النائب الذي جمع توقيعات النواب على ذلك تأجيل الأمر إلى ما بعد 2018، وهذه أزمة السيسي!

فالوقت يداهم “الزلمة”، والسنوات تتسرب من بين يديه، والبرلمان دخل في إجازته السنوية، وإن لم يحصل على الموافقة قبل افتتاح الدورة القادمة في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل فسوف يكون في أزمة يتعذر تداركها!

فتعديل الدستور يلزمه أمران: موافقة البرلمان، وعرض الأمر على الاستفتاء الشعبي، وإذا لم يتم هذا فيما تبقى من سنة 2018، بعد عودة “مجلس النواب” للانعقاد، وسنة 2019، فسيصبح القادم أسوأ بالنسبة له، على أن يكون اللجوء للاستفتاء قبل النصف الثاني من العام المقبل، حيث ستكون الانتخابات البرلمانية في سنة 2020، وسيكون من المرهق اللجوء للشعب في استفتاء وانتخابات في فترات متقاربة، فضلاً عن أنه لا يضمن أن تنجح الأجهزة الأمنية في “هندسة” البرلمان الجديد هندستها للبرلمان الحالي، وليس هناك ما يمنع من خوض مرشحين مستقلين وحزبين الانتخابات منافسين لمن يقع عليهم الاختيار الأمني، وسيكون مطلوباً من البرلمان الجديد حينئذ تمرير التعديلات الدستورية بأغلبية الثلثين!

لاحظ أننا لم نعد نتكلم عن النصوص الدستورية التي تمنع من تعديل المواد الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية، وتجعل منها مواد فوق الدستورية لا يجوز تعديلها ولو بموافقة عموم الشعب المصري والشعوب المجاورة. فالسيسي انقلب مبكراً على دستوره، وهو يجد نفسه في حل من أي قيد على حركته، ولو كان نصاً دستورياً، ينبغي الانصياع له.

والسؤال: ماذا لو علق الرئيس الأمريكي موافقته إلى ولايته الجديدة في سنة 2020؟ وماذا لو سقط ترامب في هذه الانتخابات وجاء رئيس جديد، ليس منفلتاً مثله، ويخشى من رد الفعل الداخلي إن منح الموافقة على التعديل الدستوري؟!

بعد 2020، ستكون الأمور أكثر تعقيداً؛ لأن مصر ستكون قد أنهكت في الانتخابات البرلمانية، لتستعد للاستفتاء، وسيكون الوقت ضيقاً حرجاً، فمع بدء سنة 2022، تكون قد بدأت إجراءات الانتخابات الرئاسية!

وفكرة الاستفتاء على التعديلات الدستورية في حد ذاتها ليست عملية سهلة، لا سيما مع شخص يخاف من المجهول، فماذا لو اعتبرتها المعارضة (والتي تضم بالمناسبة الدولة القديمة) فرصتها لإنهاء حكمه، وقد تجد لها ظهيراً دولياً إن لم يحصل على موافقة البيت الأبيض، وعدم ممانعة الاتحاد الأوربي؟!

ولنا أن نعلم أنه في قوته، فإن أكثر من مليوني مصري ذهبوا في الوضع “خائف يترقب” إلى اللجان الانتخابية، ليبطلوا أصواتهم في انتخاباته الأخيرة، فماذا لو كان البديل هو “لا”، وإذا كانت أجهزة القوة هي من تدير الاستفتاء، فماذا لو فقدت الحماس له؛ فلم تقدم على تزوير مفضوح، ورأت بضرورة الانتقال الدستوري للسلطة؟ وقد يزعجها البديل الإخواني، لكن هي لديها بدائلها، والبديل الإخواني لن يأتي بإجراءات دستورية، ولكن عبر ثورة، يروا أنه من المناسب قطع الطريق أمامها بهذا الانتقال!

السيسي سيخوض معركة تعديل الدستور على قاعدة “قاتل أو مقتول”، فهو لا يتخيل نفسه خارج السلطة، وإن حصل على ضمانات من العالم كله؛ بأنه لن يقدم للمحاكمة، ولن يكون عرضة للانتقام، ومن هنا يفكر في الخيار الداخلي، بديلا لعدم الممانعة الدولية!

ليست هذه المرة الأولى التي يتطرق فيها السيسي للمصالحة ثم يعلقها على شرط موافقة الشعب، لكنه في هذه المرة بدا كلامه مفتعلاً وخارج السياق العام!

وليست هذه المرة الأولى التي يبرئ فيها نفسه من فعل الخيانة، إلا أنه بدا حديثه عن أنه لم يخن وأنه فرض عليه القتال ببيان 3 تموز/ يوليو، متجاوزا من يجلسون أمامه إلى خصومه!

هو يفكر بصوت مسموع، لذا فقد ترك الباب موارباً، فإذا حصل على الموافقة الدولية على استمراره في الحكم، فقد رفض المصالحة واعتبرها شأنا خاصا بالشعب “دا قراركم انتم”، والشعب لن يخرج في مظاهرات يطلب بالمصالحة. وإذا لم يحصل عليها، فإن هناك نصا دستوريا ملزما بإجراء المصالحة الوطنية، والمستقر أنه يفهم بها الاخوان، فلا يعقل أن يكون المقصود بها المصالحة بينه وبين جيرانه، في السكن!

بكل الضربات الأمنية، فإن الإخوان هم التيار الوحيد في مصر القادر على الحشد، ومشاركة القوى المدنية يعطي للأمر بعده الوطني، ولإجراء الاستفتاء بدون موافقة دولية يلزمه تأمين الجبهة الداخلية، بمصالحة يكون شرطها العودة إلى حدود ما قبل كانون الثاني/ يناير 2011، وبطبيعة الحال ما بعد 2010، عندما سحب نظام مبارك موافقته بالسماح للإخوان بالتواجد في البرلمان، أو بممارسة السياسة، وهو الاتجاه الذي أفسده الثلاثي عديم الخبرة السياسية: “جمال مبارك” و”أحمد عز”، و”حبيب العادلي”، وقد كلف مبارك رجله القوي “صفوت الشريف” بالمشاركة في إدارة الانتخابات البرلمانية، وعقد صفقات مع المعارضة الرسمية للتمثيل في البرلمان، لكن المجموعة قررت أن تخذله، فكان التزوير ضد الجميع وليس ضد الإخوان فقط!

الثمن الذي يمكن أن يقدمه السيسي مقابل صفقته، هو بحث ملف المعتقلين، والعمل على حلحلته ووقف العنت في السجون!

لم أقل إن الإخوان سيوافقون أو لن يوافقوا، لكنه السيسي يفكر بصوت مسموع!

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

كشف علمي: “القمح والشعير”كانا وسيلة اختبار الحمل لدى الفراعنة

بوابة القليوبية | مشاركات ومقالات   كشفت صحيفة “ديلى ميل” البريطانية، كيف كان يجري المصريون ...