النكبة.. ووثيقة محمله بالحقائق والتاريخ – بقلم: هشام الحمامي

بوابة القليوبية | مشاركات ومقالات

لقد بلغنا الآن الذروة، وأصبحت أوروبا قارة قديمة؛ استنفدت مواردها وشاخت مصالحها، بينما لا يزال العالم الآخر في صرح شبابه يتطلع إلى المزيد من العلم والتنظيم والرفاهية. هذه هي مهمتكم أيها السادة، وعلى نجاحها يتوقف رخاؤنا وسيطرتنا. إن الإمبراطوريات تتكون وتتسع وتقوى ثم تستقر إلى حد ما، ثم تنحل رويداً رويداً ثم تزول. والتاريخ مليء بمثل هذه التطورات وهو لا يتغير. هل لديكم وسائل يمكن أن تحول دون سقوط الاستعمار الأوروبي وانهياره أو تؤخر مصيره؟

كانت هذه كلمات “هنري كامبل بانرمان رئيس وزراء بريطانيا، في افتتاحية مؤتمر عقد في لندن بدعوة منه ومن حزبه (المحافظين) في عام 1905 الدعوة كانت موجهة للدول ذات المستعمرات عبر البحار والمحيطات (بريطانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا، إيطاليا)، كان كامبل رجلا مثقفا واسع العقل والمعرفة بالقضايا الاستراتيجية والتاريخية، وواحدا من كبار من أسسوا لمفهوم الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، أيضا واحدا من كبار من أسسوا لمفهوم الاستراتيجية المفتوحة للاستعمار البريطاني. ومثل أي رجل دولة جاد وحقيقي، كان شديد الاهتمام بدراسة فلسفة التاريخ، وكان معنياً بأن تبقي بريطانيا على إمبراطوريتها أطول فترة ممكنة.

وستتأكد من قوته المعرفية كرجل دولة وسياسي عتيد حين تعلم أنه دعي إلى هذا المؤتمر كبار الفلاسفة والمؤرخين وعلماء الاستشراق والاجتماع والجغرافية والاقتصاد، إضافة إلى خبراء في شؤون النفط والزراعة والاستعمار. تقول الدراسات المهتمة بالتاريخ الاستعمارى الغربي إن هذا المؤتمر استمر يتداول ويتناقش عامين كاملين!! انبثقت عن المؤتمر لجنة تنفيذية نظمت استفتاءات شملت الجامعات البريطانية والفرنسية التي ردت على التساؤلات المطروحة بأجوبة مفصلة، شملت اتصالات اللجنة المفكرين والباحثين وأصحاب السلطة في حكومات الدول الغربية، إضافة إلى كبار الرأسماليين والسياسيين.

وأنهت أعمالها في العام 1907 وقدمت توصياتها إلى المؤتمر، وخرج المؤتمر بوثيقة سميت (وثيقة كامبل) أو (توصيات مؤتمر لندن 1907).

الوثيقة أخطر مما يتصور الكثيرون، ذلك أنها أسست لمفاهيم عديدة؛ أهمها على الإطلاق التلاقي بين المشروع الاستعماري الغربي وبين المشروع الاستعماري الصهيوني.

كان العرب في هذا الوقت حوالي ثلاثين مليونا، وكانت الإحصاءات تتوقع أنهم سيصبحون أكثر من 300 مليون نسمة خلال قرن. ثم إن هذه الرقعة العربية الجغرافية لا تتميز فقط بكثرة السكان، وإنما بإمكانيات اقتصادية وموقع هام. فهل ستسمح الحضارة الغربية بنهاية الدولة العثمانية لتحل محلها دولة عربية فتية تقف حائلا دون أطماع وأحلام الاستعمار في السيطرة على هذا العالم العربي؟ كان هذا ولا يزال اللب واللباب في علاقتنا بالغرب الأوروبي والأمريكي.

الحاصل أن الوثيقة ترى العالم ثلاث مساحات:

المساحة الأولى: تتكون من الوحدات التي تقع في المنظومة المسيحية الغربية. وتقرر الوثيقة أن من واجب بريطانيا تجاه هذه المساحة من الحضارة – على أي حالٍ من الأحوال – ألا تكون السيادة على العالم خارج إطارها، أي أن هذه المنظومة الحضارية هي التي تسيطر على العالم ويظل زمام الأمور بيدها، وإذا كانت أي حضارة لا شك ستنتهي بحسب نظرة فلسفة التاريخ، فإنها يجب أن تضمن أن وريث هذه الحضارة من نفس المساحة ومن جوهر المنظومة الغربية، وهكذا جاءت أمريكا أيها الرفاق.

المساحة الثانية: وهي الحضارة الصفراء التي لا تتناقص مع الحضارة الغربية من الناحية القيمية، لكنها قد تختلف معها في حساب المصالح، وهذه الحضارة يمكن التعامل معها والتعاطي معها تجارياً، ويمكن غزوها ثقافياً لهشاشة منظوماتها القيمية، ومن ثم فالتعامل معها يعتمد على تحقيق المصالح للكتلة المسيحية الغربية من العالم.

أما المساحة الثالثة: فهي الحضارة الخضراء، وهذه المساحة من الأرض تحتوي على منظومة أخلاقية منافسة للمنظومة الغربية؛ صارعتها في مناطق كثيرة وأخرجتها من مناطق كثيرة، ومن واجب الحضارة الغربية المسيحية أخذ كل احتياطاتها وإجراءاتها لمنع أي تقدم محتمل لهذه المنظومة الحضارية أو إحدى دولها؛ لأنها مهددة للنظام القيمي الغربي. والتدابير والإجراءات التي تقترحها الوثيقة لذلك:

– حرمان هذه المساحة الخضراء من المعرفة والتقنية، أو ضبط حدود المعرفة التي تتاح لها.

– إيجاد أو تعزيز مشاكل حدودية متعلقة بدول هذه المساحة.

– تكوين أو دعم الأقليات بها، بحيث لا يستقيم النسيج الاجتماعي لها، ويظل مرهوناً بالمحيط الخارجي. 

وثيقة كامبل سبقت وعد بلفور الذي لم يكن سوى تطبيق لأحد أهم مقررات الوثيقة، وهو فكرة إقامة الحاجز البشري الغريب من اليهود على أرض فلسطين. أيضا سبقت وعد كامبو الذي صدر عن وزير الخارجية الفرنسية جورج كامبو عام 1916، قبل ثمانية أشهر فقط من صدور وعد بلفور والذي صدر بنفس الصيغة التي صدر بها وعد بلفور.

والحقيقة أن قصة اليهود مع أوروبا قصة بالغة التعقيد، وتحكي لنا سرديات التاريخ عن الكراهية العميقة التي يحملها العقل والوعي الأوروبي لليهود.. بلفور نفسه كان يكن لهم كراهية شديدة، وحتى جورج لويد، رئيس الوزراء وقتها، كان يحمل لهم نفس المشاعر. ولذلك كان حل إقامة دولة إسرائيل لليهود مشروعاً مبكرا واستثمارا وظيفيا للمصالح الغربية في هذه المنطقة، سنعرف أن فكرة وطن قومي لليهود لاقت معارضة كبيرة من معظم التجمعات اليهودية الأوروبية؛ لأن المصالح اليهودية كانت مع الاندماج في المجتمعات الأوروبية وليس الحبس في جيتو جديد.

أعادت اللجنة دراسة ملفات نابليون وبالمرستون ودزرائيلي الذين نادوا بإقامة كيان يهودي على أرض فلسطين؛ يشكل حاجزاً بشرياً بين مشرق العالم الإسلامي ومغربه (هل تندهشون من قرار ترامب نقل السفارة إذن؟).

وخرجت اللجنة بتوصية هامة تتصل بالمنطقة العربية: “على الدول ذات المصلحة أن تعمل على استمرار تأخر المنطقة وتجزئتها، وإبقاء شعوبها مضللة جاهلة متناحرة، وعلينا محاربة اتحاد هذه الشعوب وارتباطها بأي نوع من أنواع الارتباط الفكري أو الروحي أو التاريخي، وإيجاد الوسائل العملية القوية لفصلها بعضها عن بعض. ولتحقيق ذلك، توصي اللجنة بضرورة الإسراع بالعمل على فصل الجزء الأفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الآسيوي، وتقترح لذلك إقامة حاجز بشري قوي وغريب، بحيث يشكل في هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس، قوة صديقة للاستعمار عدوة لسكان المنطقة..”.

الأستاذ هيكل تحدث عن وثيقة كامبل هذه، وأوردها في كتابه “المفاوضات السرية مع إسرائيل”، ولكنه ذكرها بعنوان “وثيقة بانرمان”، وهو الاسم الثالث لكامبل كما ذكرنا، والراحل الكبير كانت له حساباته فيما يكتب ويقول، لكنه أوردها، وإن لم يعطها الاهتمام الذي يناسب قوتها وتأثيرها التاريخي الكبير.فكل ما حدث وجاء بعدها كان استلهاما وتطبيقا مباشرا لها.

اليوم تمر سبعون عاما على تطبيق ورعاية التوصية التي هوت على رؤوسنا بكل الثقل الذي اكتسبته بالسنين الطويلة (إقامة حاجز بشري قوي وغريب، بحيث يشكل في هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس، قوة صديقة للاستعمار عدوة لسكان المنطقة).

ولا يزال “الإنسان العربي” يغوص أكثر وأكثر في كوابيسه.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

جمال سلطان يكتب : هل تنكد الحكومة على الشعب ليلة العيد؟!

 بوابة القليوبية | مشاركات ومقالات من خلال خبرة المصريين مع السلطة خلال الأعوام الأخيرة، أصبحت ...