لغة البيان في معرفة أحكام رمضان

 بوابة القليوبية | مشاركات ومقالات

إن المعرفة اللغوية العربية من أهم الأدوات التي استعان بها العلماء في فهم النصوص القرآنية والحديثية واستنباط الأحكام الشرعية منها، وقد جُعل العلم بأسرار العربية شرطًا أساسيًّا من شروط الاجتهاد.

 

ويهدف هذا المقال إلى تقديم نماذج شرعية لغوية، كان للغة دور كبير في بيان الحكم الفقهي فيها.

 

أولاً: (وجوب الإطعام لمن أفطر في رمضان):

قوله تعالى:” (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) (البقرة: من الآية 184)

 

تتحدث هذه الآية عن حكم من لا يستطيع صيام رمضان فيفطر، فإن عليه في هذه الحالة الفدية بإطعام مسكين، وقد تعددت القراءات القرآنية في قوله تعالى: (فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، مما ترتب عليه اختلاف الحكم الفقهي المتعلق بهذه الآية.

 

فقرأ أبو جعفر ونافع وابن ذكوان عن ابن عامر (فديةُ) بغير تنوين (طعامِ) بالخفض على الإضافة (مساكينَ) بالجمع وفتح النون بلا تنوين.

 

وقرأ ابن كثير وأبو عمر وعاصم وحمزة والكسائي (فديةٌ) بالتنوين (طعامُ) بالرفع (مسكينٍ) بالإفراد وكسر النون منونة.

 

وقرأ هشام عن ابن عامر ويعقوب وخلف (فديةٌ) بالتنوين (طعامُ) بالرفع (مساكينَ) بالجمع وفتح النون، خرج على أنه مبتدأ مؤخر خبره متعلق بالجار والمجرور قبله، وقيل: إن فدية رفع بالابتداء والخبر محذوف تقديره فعليه فدية، والقراءة بالإضافة (فديةُ طعامِ) تبين أن الفدية لها ذات، وصفتها أنها طعام وهذا من باب إضافة الموصوف إلى الصفة كقولهم: مسجد الجامع وبقلة الحمقاء “وهذا ليس بجيد، لأن طعامًا ليس بصفة، وهو هنا إما أن يكون المراد به المصدر، كما يراد بعطاء الإعطاء، أو يكون المراد به المفعول كما يراد بالشراب المشروب، وعلى كلا التقديرين لا يحسن به الوصف.

 

وقال الواحدي: “الفدية اسم للقدر الواجب، والطعام اسم يعم الفدية وغيرها، فهذه الإضافة من الإضافة التي تكون بمعنى (من) كقولك: ثوب خزُ وخاتم حديد، والمعني: ثوب من خز وخاتم من حديد، فكذا هنا التقدير فدية من طعام فأضيفت الفدية إلى الطعام مع أنك تطلق على الفدية اسم طعام، “فعلى هذا فالفدية قد تكون طعامًا وقد تكون غيره، فلما أضافها إلى الطعام خصَّصها به وعرَّفها، وهذا ما يؤكده ابن جني بقوله: “لأن الغرض من الإضافة إنما هو التعريف والتخصيص، والشيء إنما يعرّفه غيره، لأنه لو كانت نفسه تعرفه لما احتاج أبدًا أن يُعرَّف بغيره”، كما أنهم في قراءة الإضافة جمعوا(المساكين)؛ لأن الذين يطيقونه جماعة، وكل واحد منهم يلزمه مسكين.

 

 أما قراءة (فدية) بالتنوين فعلى أنه مبتدأ، خبره في المجرور قبله (طعام) بالرفع بدل من فدية “واختار أبو عبيد أن يقرأ “فديةٌ طعام”؛ لأن الطعام هو الفدية ولا يجوز أن يكون الطعام نعتًا؛ لأنه جوهر ولكنه يجوز على البدل”، فمعنى قراءة التنوين أن مسمى الشيء الذي نفدي به الصيام فدية ثم أبدل الطعام ومنها بدل الشيء من الشيء هو نفسه، يقول ابن جني: “إن عبرة البدل أن يصلح بحذف الأول وإقامة الثاني مقامه” ويبدل الاسم من الاسم بصرف النظر عن تعريفهما وتنكيرهما عند سيبويه والمبرد.

 

أما القراءة بالإفراد (مسكين)؛ حيث قابل الجمع في (الذين) بالمفرد في (مسكين)، وعلى هذا فإن عليه أن يطعم مسكينًا واحدًا عن كل يوم، واستحسن هذا المعنى أبو علي الفارسي بقوله: “إن الإفراد جائز وحسن لأن المعنى: على كل واحد طعام فلهذا أفرد، ومثل هذا المعنى قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً) (النور: من الآية 4)، وليس جميع القاذفين يفرق فيهم جلد ثمانين، وإنما على كل واحد منهم ثمانين جلدة، فكذلك على كل واحد منهم طعام مسكين فأفرد هذا كما جمع قوله: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً).

 

مما سبق يتضح لنا أن القراءات المختلفة لـ(فدية) قد أوجبت الإطعام لِمَن أفطر سواء أكان ذلك بالإضافة أم بالبدل؛ حيث خصصت الإضافة الفدية بالإطعام وبين البدل نوعية الإطعام، أما قراءة (مسكين) بالتوحيد والإفراد فإنها لم تخص مسكينًا بعينه بل أعطت الفرصة لإطعام أكبر عدد من المسلمين، فمن قال (مساكين) فهو يعني جماعة الشهر، لأن لكل يوم مسكينًا ومن قال (مسكين) فإنما أخبر ما يلزمه في ترك اليوم الواحد.

 

ثانيًا: (من يباح لهم الفطر في رمضان والقضاء والفدية في ذلك؟)

قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) (البقرة: من الآية 184)

 

بينت هذه الآية من يجوز له فطر رمضان وإعطاء الفدية بدله، وقد حصل خلاف في ذلك بين العلماء؛ نتيجة لتعدد القراءات الواردة في الفعل (يطيقونه).

 

فقد قرأ الجمهور: يطيقونه مضارع أطاق، وقرأ حميد يطوقونه من أطوق، كقولهم: أطول في أطال وهو الأصل، وقرأ عبد الله بن عباس: يُطوَّقونه، مبنيًّا للمفعول من طوّق على وزن: قطّع.

 

نلاحظ أن جميع القراءات الواردة يرجع معناها إلى الاستطاعة والقدرة، فالمبني منها للفاعل ظاهر والمبني منها للمفعول معناه: يجعل مطيقًا لذلك، ويحتمل قراءة التشديد في الواو أن يكون لمعنى التكليف، أي يتكلفونه أو يُكلفونه، وعلى هذين المعنيين حمل المفسرون قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ).

 

فذهب بعضهم إلى أن الآية أباحت لمن يستطيع الصيام أن يفطر ويطعم، فهو مُخيّر بين الصيام وبين الإفطار والإطعام، إلا أن هذا الحكم كان في بداية تشريع الصيام، ثم نُسخ بقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)(البقرة: من الآية 185) وذهب فريق آخر إلى أن هذا الحكم للمسافر والمريض المطيقين للصيام؛ فيجوز لهما الفطر والإطعام مكانه، ويرى فريق ثالث أن الآية خاصة بحق الشيخ والعجوز وأمثالهما من العاجزين فإنهم يفطرون ويطعمون.

 

أما أصحاب الرأي الأول والثاني فقد استدلوا علي رأيهم بأن قراءة الجمهور المتواترة (يُطيقونه) بضم أوله، وهو رباعي واوي العين من (أطاق) وهمزة (أفعل) تجيء لمعانٍ متعددة، وهي هنا للوجدان، كما تقول: أحمدته، أي وجدته محمودًا، والمعنى: فمن وجد ذا طاقة على الصيام فأفطر فعليه فدية.

 

وأما أصحاب الرأي الثالث فقد قالوا: إن هذا الفعل قد قرئ: يُطوّقونه، بتشديد الواو، حمل هذا الشيء إذا كلف به، فمعنى الآية: وعلى الذين يُكّلفون الصيام فدية، وهذه قراءة ابن عباس وعكرمة وآخرين، ووجه الاستدلال بهذه القراءة أن (يطوقونه) مأخوذ من الطوق وهو في اللغة يطلق على من يحتمل القيام بالعمل مع الجهد والمشقة، ولما كان الشيخ الفاني ومن ماثله في العجز يقدرون على الصيام مع حصول المشقة رخّص الله لهم بالفطر والفدية، جاء في اللغة: “طوَّقته الشيء جعلته طوقه ويعبر به عن التكليف.. وأطقت الشيء إطاقة: قدرت عليه فأنا مطيق”.

 

وقرئ أيضًا: يَطَّوّقونه- بفتح أوله وتشديد الواو من (تطوَّق) وأصله: يتطوقونه، أدغمت التاء في الطاء، ومن معاني (تفعَّل) التكلف، وقد يكون التكلف في هذا الباب ناتجًا من المطاوعة لباب (فعَّل) بتشديد العين فيصير معنى الآية: وعلى الذين كلفناهم الصيام فتكلفوه، أي احتملوا منه الجهد والمشقة فدية.

 

والراجح أن الآية لا نسخ فيها، بل جاءت لبيان حكم الرجل والمرأة اللذَين زالت طاقتهما عن الصيام أو المريض الذي لا يرجى بُرؤه، فإنهم يفطرون إذا استمر عندهم عدم الطاقة على الصيام، وهذا مذهب سعيد بن المسيب وإليه ذهب أبو حنيفة والأوزاعي، وهو أحد قولي الشافعي، وكذلك الحامل والمرضع على رأي ابن عباس استنادًا إلى القراءة الأولى، والدليل على ذلك ما يأتي:

 

1- أن قراءة (يطيقونه) هي القراءة المتواترة التي أجمع عليها الجمهور.

 

2- همزة (أطاق) يجوز أن تكون للسلب وهو أحد معانيها “أي يجيء لسلبك عن مفعول أفعل ما اشتق منه نحو: أشكيته، أي أزلت شكواه” فمعنى (يطيقونه) زالت طاقتهم عن الصيام.

 

3- يقوي كون الهمزة فيه للسلب أن هذه القراءة حملت على تقدير (لا) النافية فيها قبل الفعل، أي (وعلى الذين يطيقونه)، وقد ورد عن العرب حذف (لا) مع إرادتها كقول امرئ القيس (الطويل):

 

          فقلتُ يمين الله أبرحُ قاعدًا          ولو قطَّعوا رأسي لديك وأوصالي

أي: لا أبرحُ قاعدًا.

 

ونحن لا نستبعد أن تكون (لا) محذوفة هنا وهي مرادة؛ فالآية من آيات التشريع والأحكام والفعل فيها مثبت، وتأويلها على تقدير (لا) محذوفة يُنقض بالإثبات والنفي، ولو كانت الفدية على من لا يطيقونه لأخذ حرف النفي مكانه في نص الحكم الشرعي، ولم يدع لنا مجالاً للاختلاف على تأويله بين النقيضين من إثبات ونفي، أما الطاقة فهي في العربية أقصى الجهد ونهاية الاحتمال، واستعمال القرآن الطاقة اسمًا وفعلاً يؤذن بأنها مما يستنفد الجهد وطاقة الاحتمال، كما تشهد بذلك آياتها الثلاث وكلها من سورة البقرة:

 

1- (قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) (البقرة: من الآية 249).

2- (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) (البقرة: من الآية 286).

3- (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طعامُ مسكين) (البقرة: من الآية 184).

 

فندرك أن الأمر في احتمال الصوم إذا جاوز الطاقة وخرج إلى ما لا يُطاق سقط التكليف؛ لأنه لا تكليف شرعًا بما لا يطاق، والله سبحانه وتعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وعلى هذا فإن المراد: إن المريض والكبير العاجز والحامل والمرضع يحق لهم الفطر إن كانوا غير قادرين على الصيام، ومن ثم تجب عليهم الفدية إن لم يتمكنوا من القضاء.

 

ثالثًا: (حكم من جُنَّ في رمضان وكذلك الصبي إذا بلغ):

قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة: من الآية 185)

 

قوله “شهد” يعتوره معانٍ منها: من كان شاهدًا يعني مقيمًا غير مسافر، فكان لزوم الصوم مخصوصًا به المقيمون دون المسافرين، ويحتمل أن يكون بمعنى شاهد الشهر أي علمه، وذلك يدل على أن من أفاق من الجنون بعد مضي شهر رمضان فلا قضاء عليه خلافًا لمالك لأنه يحمل قوله “فمن شهد” على شهوده بالإقامة وترك السفر.

 

ويحتمل أن يكون المعنى: فمن شهده بالتكليف؛ لأن المجنون ومن ليس بأهل التكليف غير لازم له صوم الشهر.

 

ويحتمل أن يكون المراد: شهود الوقت لا شهود رؤية الهلال؛ إذ قد لا يراه إلا واحد أو اثنان، ففي هذه الحالة يجب صيامه على جميع المسلمين.

 

ولدى مناقشة المعاني السابقة يظهر لنا أن قولنا: “شهدت الشيء اطلعت عليه وعاينته.. وشهدت العيد: أدركته .. وشهدت المجلس: حضرته.. وعليه قوله تعالي: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) أي من كان حاضرًا في الشهر مقيمًا غير مسافر فليصم ما حضر وأقام فيه”
والشهود والشهادة: الحضور مع المشاهدة نحو قوله: (مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ) ( النمل: من الآية 49) أي ما حضرنا:(وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) (الفرقان: من الآية 72) أي لا يحضرونه بأنفسهم ولا بهمهم وإرادتهم.. والشهادة: قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر، وقوله: (لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) ( آل عمران: من الآية 70) أي تعلمون – وشهدت يقال على ضربين – أحدهما جارٍ مجرى العلم، والثاني يجري مجرى القسم.

 

وإذا قلنا: إن الشهود هم الحضور فهنا اختلاف آخر، فهناك من ذهب إلى أن مفعول (شهد) محذوف لأن المعنى: فمن شهد البلد في الشهر بمعنى أنه لم يكن مسافرًا، ويكون الشهر منصوبًا على الظرفية، وهناك من ذهب إلى أن مفعول (شهد) هو الشهر، والتقدير: فمن شهد  الشهر وشاهده بعقله وبمعرفته فليصمه، وهو كما يقال: شهدت عصر فلان وأدركته، وبديهي أن القول الأول يلزمه أن الآية لا توجب الصوم إلا على المقيم، فلا يكون صوم المسافر مسقطًا للواجب، بل يكون الواجب في حقه الفطر، والجمهور يرون الآية عامة في المكلفين، وهي تشمل المسافر والمقيم، غير أن المسافر يترخص بالفطر كالمريض وعليهما عدة من أيام أخر.

 

وكلا القولين لا يتم إلا بمخالفة الظاهر؛ فالقول الأول فإنه يكمل بإضمار أمر زائد، والقول الثاني فيوجب دخول التخصيص في الآية، وذلك لأن شهود الشهر حاصل في حق الصبي والمجنون والمريض والمسافر، مع أنه لم يجب على واحد منهم الصوم، وقد جاء في أصول الفقه: أنه متى وقع التعارض بين التخصيص والإضمار فالتخصيص أولى، فالقول الأول لا يتمشى إلا مع التزام الإضمار والتخصيص، والقول الثاني يتمشى بمجرد التزام التخصيص فكان القول الثاني أولى.

 

نخلص من ذلك أن فرض الصيام مخصوص بمن شهد الشهر دون غيره، وأن من ليس من أهل التكليف، أو ليس بمقيم، أو لم يعلم به فغير لازم له.

 

رابعًا: حكم صيام المريض والمسافر:

 

قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة: من الآية 184)
المراد من هذه- والله أعلم- أن فرض الصيام في الأيام المعدودات إنما يلزم الأصحاء المقيمين، فأما من كان مريضًا أو مسافرًا فله تأخير الصوم عن هذه الأيام إلى أيام أخر.

 

العلماء اختلفوا في المسافر والمريض ماذا يلزمهما في رمضان؟ فذهب جماعة من علماء الصحابة- رضوان الله عليهم- إلى أن الواجب عليهما الفطر وصيام عدة من أيام أخر، وهو قول ابن عباس وابن عمر حتى روي عنه أن المسافر إذا صام في السفر قضي في الحضر. وذهب أكثر الفقهاء إلى أن الإفطار رخصة فإن شاء صام وإن شاء أفطر.

 

وكانت أدلة الفريق الأول ما يلي:

 

1- الصوم لا ينعقد في السفر وعليه القضاء أبدًا لقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أي فعليه عدة.

 

2- إن الأصل في الكلام أن يحمل على حقيقته حتى يدل دليل على المجاز.

 

3- ظاهر قوله عليه السلام: “ليس من البر الصيام في السفر” وقوله عليه السلام “الصائم في السفر كالمفطر في الحضر”.

 

وكانت أدلة الجمهور ما يلي:

 

1- إن في الآية إضمارًا تقديره: فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فأفطر فعليه عدة من أيام أخر، وهو نظير قوله تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ) (البقرة: من الآية 60) وقوله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ) إلى قوله: (أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (البقرة: من الآية 196) التقدير في الأول: فضرب فانفجرت، والثاني: فحلق ففدية.

 

2- روي أبو داود في سننه عن عائشة أن حمزة الأسلمي سأل النبي صلى الله عليه وسلم  فقال: يا رسول الله، هل أصوم على السفر؟ فقال عليه السلام: “صُم إن شئت وأفطر إن شئت”، وقد ثبت بالخبر المستفيض عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه صام في السفر.

 

3- أما ما روي عن قوله عليه السلام: “ليس من البر الصيام في السفر” فإنه كلام خرج على حال مخصوصة، وذلك ما رواه شعبة من طريق جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلاً يُظلل عليه والزحام عليه شديد، فقال: “ليس من البر الصيام في السفر”، وأما حديث: “الصائم في السفر كالمفطر في الحضر”، فحديث مقطوع لا يثبت عند كثير من الناس.

 

والحنفية بعد ذلك يرون الصوم أفضل من الفطر، ويقول المالكية ذلك لِمَن قوي عليه.

 

نخلص من أدلة الفريقين أن المريض أو المسافر- في رأي الجمهور- واجبه الأصلي الصوم ويرخص له في الفطر، فإذا أفطر فليقض أيامًا مكان الأيام التي أفطر فيها، وأما غير الجمهور فتأويل الآية عندهم، فمن كان مريضًا أو مسافرًا فليفطر والواجب عليه ابتداء صوم أيام أُخر وصيامه في رمضان لا يعتد به.

 

وعند الموازنة بين أدلة الفريقين يمكن ترجيح مذهب الجمهور لما يلي:

 

1- الفاء في قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) للعطف، وقد عُطفت هذه الجملة على محذوف قد عُطف أيضًا بالفاء على (فمن كان) تقديره: فأفطر، وذلك لأن الفاء والواو يشتركان في الاختصاص بجواز حذفهما مع معطوفهما دون بقية أدوات العطف.

 

2- استدلالهم بأن الأصل حمل الكلام على الحقيقة إلا أن يدل دليل على المجاز، هذا صحيح ولكن هناك أدلة كثيرة تدل على وجود مثل هذا الحذف في القرآن الكريم نحو قوله تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ)، وقوله تعالى: (أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)، وفي الآية محل الخلاف يترجح وجود هذا الحذف.

 

3- الآية خاصة بعد عام؛ فقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) عام أفاد الوجوب، وقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) خاص استُثني من العام الذي أفاد الوجوب، فيخصص المريض والمسافر من الصوم إذا شهدا الشهر، وهذا تخصيص وكذلك يوجد حذف، فتعارض تخصيص وحذف فيجب المصير إلى التخصيص.

 

4- قوله تعالى: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة: من الآية 184) معطوف على كلِّ ما تقدم وبينهم المريض والمسافر.

والله أعلى وأعلم.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

محمد طلبة رضوان يكتب: تابوت الإسكندرية… من أين طفحت المجاري؟

بوابة القليوبية 20 يوليو 2018 توثقت العلاقة بعد مناقشة حامية حول الوهابية والتصوف، كنا ثلاثة: ...