أولئك هم الصائمون حقًا

 بوابة القليوبية| مشاركات ومقالات

الصائم بحق أجره عظيم “إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”، وصوم رمضان الذي هو ركن بُني عليه الإسلام له أجور عظيمة “من صام رمضان إيماناً واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه” (1) ، والصائمون هم الذين يدخلون الجنة من باب الريان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “للصائمين باب في الجنة يقال له الريان لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخل آخرهم أغلق” (متفق عليه)، وزاد الترمذي “ومن دخله لم يظمأ أبدًا”، ولابن خزيمة “ومن دخل شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا” (2).

فهذا الأجر العظيم لا بد أن يكون جزاء عمل عظيم لا يقف عند صورة امتناع المرء عن الطعام والشهوة فحسب، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة في قوله “مَن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه” رواه البخاري (3).

يقول البيضاوي: “ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الأمَّارة للنفس المطمئنة فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول فنفى السبب وأراد المسبب والله أعلم، واستدل به على أن هذه الأفعال تنقص الصوم، وقد ذكرت في هذه الحديث للتنبيه على أمرين: أحدهما: زيادة قبحها في الصوم على غيرها. والثاني: البحث عن سلامة الصوم عنها وأن سلامته منها صفة كمال فيه”.

وقال جابر- رضي الله عنه-: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب، والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.

وعبادة على هذا القدر في الإسلام ولها هذا الأجر توجب على فاعلها أن يتعرف على أحكام الصيام، وأحوال الصائمين حتى لا يخدع نفسه ويخدعه الشيطان فيظن أنه صائم بامتناعه عن الطعام والشهوة وهو في الحقيقة مفطر بقول الزور والغيبة والنميمة… إلى آخره.

– فإلى الصائمين أسوق هذه الصفاتِ اللازمةَ لكل صائم يرغب في دخول الجنة من باب الريان:

1- الصائم تقيّ: قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 183) (البقرة)، فالصائم تقي يتزود بالتقوى في صيامه، ومَن لم يتزود بها فليعلم أنه لم يدرك الصوم ولم يجز ثمرته، وعن ابن مسعود قال يومًا لابن أخيه “يا ابن أخي ترى الناس ما أكثرهم!” قال: نعم، قال: لا خير فيهم إلا تائب أو تقيّ.
وقال أبو يزيد البسطامي: “المتقي من إذا قال قال لله ومن إذا عمل عمل لله”.

وسَأَلَ عمرُ بن الخطاب- رضي الله عنه- أبيّ بنَ كعب- رضي الله عنهما- عن التقوى، فقال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم. قال: فما عملت فيه؟ قال: تشمّرت وحذرت، قال فذاك التقوى.

وأخذ هذه المعنى ابن المعتز فنظمه:

خــل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التـقىواصنع كمَاشٍ فوق أرضٍ في الشوك يحذر ما يرىلا تحقـرن صغيرة إن الجبال من الحصـىفالتّقيّ خائف من المعصية يخشى الله في كل أمر ويحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه، فالصائم التقي مشغولٌ بإصلاح قلبه لأنه محل نظر ربه، ومشغول بمراقبة ربه عن مراقبة الناس، حريص على ثناء ورضا ربه لا ثناء ورضا الناس فاللهم اجعلنا من المتقين.

2- والصائم قرآني: وخاصةً في رمضان فهو شهر القرآن، وكان جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وسلم: القرآن في كل ليلة من رمضان، فالصائم الحق لا يقتصر على تلاوة حروف القرآن فحسب بل يتلوه ذكرًا ويدرسه فهما ويدعو به وإليه عملاً ويتخلق بأخلاقه.

فشهر رمضان ما علا قدره إلا بالقرآن: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة:185)، وقال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ) (الدخان: 3) وجعل العبادة ليلة نزوله خيرًا من ألف شهر، ومن هنا كان للصائم في رمضان برامج خاصة مع كتاب الله تلاوة وحفظًا وتدبرًا ودعوة، فاللهم اجعلنا من أهل القرآن.

3- والصائم حليم صابر: لا يغضب لنفسه لأتفه الأسباب، ولا يظلم غيره فيتعدى على ماله أو نفسه أو عرضه قال صلى الله عليه وسلم: “إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم” (4)، وكيف لا يصبر وقد يسر الله له في شهر الصبر كل أسباب الرحمة فقد صفدت الشياطين، وفتحت أبواب الرحمة وغلقِّت أبواب جهنم وبصيامه كسر شهوة نفسه، فهل بعد ذلك كله لا يزداد صبرًا في رمضان؟ فاللهم ارزقنا نعمة الصبر وأدخلنا في عبادك الصابرين.

4- والصائم مكبّر شاكر: فهو مكبّر قال تعالى (وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 185) (البقرة) فهو يُكبّر الله سبحانه في أقواله وأفعاله. فالله أكبر ذكره ونداءه للصلاة، ومنهجه في معركته مع النفس والشيطان، فالله أكبر من متاع الدنيا وزينتها، وأكبر من زينة الزوجة والأولاد، وأكبر من المناصب والألقاب، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

ثم الصائم شاكر والشكر مبنى على خمس قواعد:

* خضوع الشاكر للمشكور وإضافة النعم إلى موليها بنعت الاستكانة له.

* حُبّه له؛ قال سليمان: ذكر النعمة يورث المحبة.

* اعترافه بنعمته ومعرفته بها وقبولها.

* ثناؤه عليه بها ووصفه بالجود والكرم والبر والإحسان وسعة العطاء.

* ألا يستعملها في ما يكره.

فهل يليق ببعض الصائمين تسخّطهم وعدم رضاهم برزقهم وكثرة شكوى ربهم لعباده فإنا لله وإنا إليه راجعون.

5- والصائم في ليله قائم: ليس قائمًا على التلفاز لمشاهدة ما حرَّم الله، ويسهر ليله في مجالس اللهو واللعب والغيبة والنميمة فيفسد صوم النهار بمعاصي الليل. قال صلى الله عليه وسلم: “من قام رمضان إيمانًا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم “إنه قام حتى تورمت قدماه، فقيل “هل تفعل هذا وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟” فقال: “أفلا أكون عبدًا شكورًا” (5).

6- والصائم جواد: وفي الصحيحين (6) عن ابن عباس: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان). وفي صحيح مسلم (7) عن أنس قال:

ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا إلا أعطاه فجاء رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر”، فالصائم جواد في بيته ومع رحمه وأقاربه ومع جيرانه وحيّه جواد في بذل العلم والمال وبذل نفسه لله في إظهار دينه وإيصال النفع إلى العباد بكل طريق من إطعام جائعهم ووعظ جاهلهم وقضاء حوائجهم وتحمل أثقالهم.

7- الصائم قويّ الإرادة: فالصوم أعظم مربٍّ للإرادة وكابح لجماح الأهواء فالصائم يكون حرًّا يعمل ما يعتقد أنه خيرًا لا عبدًا للشهوات ولا أسيرًا للأهواء ولا يضعف أمام طاغية أو فتنة.

يقول الرافعي: “وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي الذي يدرب الصائم على أن يمتنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته مصرًّا على الامتناع، متهيئًا له بعزيمته صابرًا عليه بأخلاق الصبر مزاولاً في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول ولا تعدو عليها عوادي الغريزة.

وإدراك هذه القوى العملية منزلة اجتماعية سامية هي في الإنسانية فوق منزلة الذكاء والعلم، ففي هذين تعرض الفكرة مارة مرورها، ولكنها في الإرادة تعرض لتستقر وتتحقق فانظر في أي قانونٍ من القوانين وفي أية أمةٍ من الأمم تجد ثلاثين يومًا من كل سنةٍ قد فرضت فرضًا، لتربية إرادة الشعب ومزاولته فكرة نفسية واحدة بخصائصها وملابستها حتى تستقر وترسخ وتعود جزءًا من عمل الإنسان لا خيالاً يمر برأسه مرًا.

أليست هذه هي إتاحة الفرصة العملية التي جعلوها أساسًا في تكوين الإرادة وهل تبلغ الإرادة فيما تبلغ أعلى من منزلتها حين تجعل شهوات المرء مذعنة لفكره منقادة للوازع النفسي فيه مُصرفة بالحس الديني المسيطر على النفس ومشاعرها” (8).

8- الصائم مغتنم لوقته: الوقت نعمة مسئول عنها العبدُ يوم القيامة والمسلم يحرص على اغتنامه يقول ابن مسعود: “ما ندمتُ على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي”، وقال الحسن البصري: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام فإذا ذهب يوم ذهب بعضك” وقال أيضًا: أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم.

فإذا كان هذا هو حرص المسلم على اغتنام وقته فماذا عن اغتنام وقت الفضائل وقت نزول الرحمة ومضاعفة الحسنات وقت تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب جهنم وقت فيه ليلة عبادتها خير من ألف شهر، إن دقائق رمضان بل ثوانيه غالية والعاقل من اغتنمها ومما يُغتنم في رمضان تلاوة ومدارسة القرآن، وصلة الأرحام، وقضاء حوائج الناس وقيام الليل وكل أنواع البر، أما الذي لا يجد ما يعمله في رمضان ويبحث بكل الطرق في إضاعة وقته بالنوم أو اللعب أو مشاهدة التلفاز فيما لا فائدة منه فذلك محروم من خير ووقت رمضان.

9- الصائم نشيط مجاهد: فالصيام يدفع المؤمن إلى العمل بنشاط ويحثه على الجهاد، وقد شهد التاريخ عدة فتوحات للمسلمين في شهر رمضان، ومن ذلك غزوة بدر وفتح مكة وفتح جزيرة رودس وفتح الأندلس، فالصيام يزيد من نشاط وحركة وحيوية المسلم، أما المتكاسل والمتماوت بدعوى الصيام فذلك لم يَنَلْ روح وحقيقة الصيام.

10- الصائم رقيق القلب: ورحيم بالمساكين وليّن الجانب وحسن الخلق يقول القسطلاني- معدّدًا لثمرات الصوم-: “رقة القلب وغزارة الدمع؛ وذلك من أسباب السعادة فإن الشبع مما يذهب نور العرفان ويقضي بالقسوة والحرمان”.

وكيف لا يكون رقيقًا رحيمًا لينًا وهو صائم نهاره ويعيش في ظل كتابه تلاوة وحفظًا، ويقوم ليلة متضرعًا مخبتًا لخالقه ألا يكسبه ذلك كله حسن الخلق؟!

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

محمد طلبة رضوان يكتب: تابوت الإسكندرية… من أين طفحت المجاري؟

بوابة القليوبية 20 يوليو 2018 توثقت العلاقة بعد مناقشة حامية حول الوهابية والتصوف، كنا ثلاثة: ...