ماجد محمد الأنصاري يكتب : في القدس.. مَن في القدس؟

 بوابة القليوبية _مشاركات ومقالات

منذ عرّفني أحد الأصدقاء على قصيدة تميم البرغوثي عن القدس، دأبت على الاستماع إليها بين الفينة والأخرى، لا شك لجمالها أولاً، ولكن كذلك لأنها تنقلني إلى حالة شعورية مختلفة حول المدينة القديمة.

أشعر وكأنني أمشي في حواريها، وألامس حيطانها مع كل بيت، أشعر أنني من سكانها، أشعر أنني في سيارة الأجرة تلك، أرقب أسوار المدينة وهي تبتعد في الأفق، وخلال المشاهد المؤلمة لابتسامات الغزاة في سفارة الولايات المتحدة الجديدة في القدس من جهة، وصور الصمود على أسوار القدس من جهة أخرى، تمثلت تلك الأبيات:

ففي القدس، مَن في القدس إلا أنت؟

أراد قادة الكيان مناسبة افتتاح السفارة الأميركية في القدس، تتويجاً لعامهم الأفضل والأبشع، مئات القتلى الفلسطينيين لا جريمة لهم إلا التظاهر، غزل عربي واسع، وصمت عند الحاجة لا مثيل له، دعم من واشنطن في تحقيق ما خجلت عنه الإدارات السابقة، إلغاء الاتفاق النووي الإيراني..

وكل ذلك في سياق أزمات عربية متلاحقة، جعلت من الكيان صانع ملوك في محيطه، لكن الصامدين في غزة أحالوا ذلك اليوم إلى إحراج دولي للكيان وداعميه، عبر التضحيات التي قُدّمت على حدود غزة مع الأراضي المحتلة، حتى في وسائل الإعلام الغربية.

كان العنوان الأبرز: “بينما تُفتتح السفارة الأميركية في القدس، الجنود الإسرائيليون يقتلون عشرات المتظاهرين الفلسطينيين في غزة”.

يقول قائلهم: وما فائدة التضحيات البشرية وخسارة الأرواح، أمام حتمية الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان، وخذلان الأنظمة العربية؟

وله نقول: وما حيلة المضطر؟ لو كان لدى الصامدين في فلسطين غير ذلك لقدّموه، ولكن الحرمان المستمر من أدوات الصراع، والخيانات المستمرة داخلياً وخارجياً، جرّدت المقاومة من معظم أسلحتها، تاركة سلاح المقاومة في غزة محاصراً من العالم كله.

بالتالي فالحديث عن عدم نجاعة هذا الأسلوب، هو أمام بديل واحد، هو القبول بما يحدث في فلسطين دون مقاومة تُذكر، وبالتالي السماح للعدو برفع سقف اعتداءاته على الشعب والأرض والمقدسات، فمن أمن العقوبة أساء الأدب.

من في القدس؟ من للقدس؟

مهما تزايدت الاعتداءات يبقى المسجد مسجداً، والشعب مقدسياً، والأرض تشهد من سيرثها في نهاية المطاف، “فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه” أما من ارتد عن القضية وباعها لغيرها من المصالح الشخصية والآنية، فقد سجل عضويته في نادي الأعزة الأذلة، وسيشهد التاريخ على كل موقف وانعدام موقف خلال هذه الفترة الحاسمة من تاريخ بيت المقدس وأكنافه.

القدس لا تُنسى، تذكرت الفاتحين وخيل صلاح الدين تدخلها، بعد قرن أمضته في كنف محتل، حاول مراودتها عن هويتها فاستعصمت، وخلال سنوات قليلة عادت عاصمة للعلم والعلماء، وعنواناً حضارياً للأمة، ورسّخت دول الإسلام تلك الهوية عمراناً وإنساناً، حتى دارت الدورة..

وعاد المحتل يدق أبوابها ليدخلها بلا استئذان، اليوم وبعد 70 عاماً، يتحدثون عن إنهاء الوجود العربي المسلم في القدس، ويتفاخرون بمشاريع تهويد المدينة، ونحن نرى ونسمع، والقدس تنادينا بكلمات البرغوثي:

لا تبكِ عينك أيها العربي واعلم أنه.. في القدس، من في القدس؟ لكن لا أرى في القدس إلا أنت.

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة قطر.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

سليم عزوز يكتب: العودة إلى أحضان المسيح!

بوابة القليوبية 16 ديسمبر 2018 اسمها “ربى قعوار”، دخلت الإسلام وخرجت منه، ثم دخلته مرة ...