أحمد عبد العزيز يكتب : أرطغرل وصلاح وعود الجرجير (العاقر) ؟!

 بوابة القليوبية_مشاركات ومقالات

 

لمن لا يعلم، فأنا نشأت في الريف، وقضيت ثلث عمري الأول – تقريبا – في قريتي “كفر حمام” التي تشكل مع قرية “بابل” الحد الشمالي لمحافظة المنوفية مع محافظة الغربية ..
لا تزال ذاكرتي تحتفظ ببعض التفاصيل والمشاهدات التي لها علاقة بالزراعة ..
من هذه التفاصيل، دورة حياة بعض النباتات، ومن بينها نبات “الجرجير” بطل هذا المنشور ..
عندما يقرر المزارع ترك نبتة الجرجير، فإنها تنمو إلى أن تصير شجيرة، ما تلبث أن تزهر زهورا بيضاء مُوَشّاة بخطوط بنفسجية تسر الناظرين، ثم تتحول إلى (قرون) صغيرة، تحتوي على بذور الجيل القادم من أعواد الجرجير ..
وكما هو معروف، فإن الحشرات والرياح وغيرهما تقوم بمهمة نقل حبوب اللقاح من شجيرة إلى أخرى، ولولا عملية التلاقح هذه لما كانت هناك قرون، ولا بذور، ولا جيل جديد من أعواد الجرجير التي تعد من أشهى الخضروات مذاقا مع الخبز المقدد والجبن القريش أو (المِش) الذي كان – وربما لا يزال – بمثابة وجبة الغداء اليومية لسواد الفلاحين الذين يقضون يومهم في الحقول حتى الغروب ..

هذه الصورة التي ترونها هي لنبتة جرجير نبتت في معزل عن بيئتها الطبيعية ..
فقد أعَدْتُ – ذات يوم – غرس بعض جذور الجرجير بدلا من رميها في المهملات، فأنبتت أوراقا جديدة، استهلكنا منها ما شاء الله أن نستهلك، وبقيت هذه النبتة وحيدة. لم تشأ زوجتي أن تتركها للموت فاعتنت بها. أما أنا فقد نسيت أمرها ..

أمس، حظرت ابنتي “يارا” التجوال في الشقة، حتى تنتهي من تنظيفها، فدخلت الشرفة – مضطرا – لتناول فطوري، فوجدت أمامي هذه الشجيرة العملاقة !!
يا الله !! ما هذا ؟!
لم أشاهد في حياتي – وأنا القروي – شجيرة جرجير بهذا الطول !! ولفت انتباهي أنه لا يوجد بها قرن واحد !! وهذا طبيعي جدا؛ لغياب شجيرات أخرى، ولغياب وسائط نقل حبوب اللقاح كالحشرات والرياح (الشرفة مُسُوّرة تماما بالزجاج) ..
ومن ثم، فلابد من صِلة بين هذا الطول الفارِه لشجيرة الجرجير، وخُلُوّها التام من الثمار !! إِذْ فِيمَ ستستهلك غذاءها إلا في الطول طالما لا يوجد ثمار ؟!
ستظل هذه الشجيرة تنمو وتنمو حتى يحين أجلها، دون أن تترك أثرا سوى (الحطب) ..

كثير مما أقرأ على الفيس يشبه تماما زهور – بطلتنا – شجيرة الجرجير !! تنمو وتذبل وتموت، دون نتيجة تُذكر، رغم أن أصحاب هذه الكتابات يعيشون في فضاء أزرق عاصف قادر على تلقيح الأفكار وإنتاج البذور بصورة مذهلة !!
كتابات لا معنى لها ولا هدف، سوى أنها تعلن عن وجود أصحابها، تماما، كزهور شجيرة الجرجير التي تعلن عن وجود الشجيرة لا أكثر !!
مثلا ..
ما الفائدة وما الهدف من هذه المنشورات التي تهاجم اللاعب محمد صلاح ؟!
علما بأن أيا ممن يكتب عن اللاعب لا يعرف عنه سوى اسمه، ورقم فانلته، واسم ابنته، والنادي الذي يلعب له، وأنه متبرع سخي (طوعا أو كرها) .. هذا كل شيء ..
هل هذه معلومات كافية للكتابة عن اللاعب، لا سيما المسيء منها ؟
بالتأكيد، لا ..
وكذلك الحال بالنسبة لمسلسل “قيامة أرطغرل” !!
رغم الكتابات الناقدة أو (المُسفّهَة) لهذا المسلسل، فقد أتى أكُلَه، وحقق هدفه ليس بين الأتراك فحسب، بل في صعيد مصر (الجوّاني) ..
هناك في أحد حقول الصعيد، وجدنا أطفالا صغارا في المرحلة الابتدائية يحاكون مشاهد من المسلسل بلغة (بديعة) تثير الإعجاب، خليط من العامية الصعيدية ممزوجة ببعض المفردات الفصيحة ..
سأقطعك إربا إربا !!
هل كان من الممكن أن تسمع هذه الجملة – في ظل منظومة تعليمية منهارة كليا – من طفل قروي في المرحلة الابتدائية في صعيد مصر، لولا أنه سمعها في مسلسل ناطق بالفصحى، يحكي صفحة مجيدة من تاريخ (أمة) شعر بالانتماء إليها رغم كل محاولات سلخه عنها ؟!
لقد نجح الأتراك في الوصول إلى أطفال الصعيد، بينما جُل المصريين عاجزون عن التواصل مع أطفالهم الذين ينامون في أحضانهم، بل أن هناك شريحة من المصريين – ليست بالقليلة – تفضل التواصل مع أطفالها بالإنجليزية !!
المسلسلات التركية التي بُثّت في السنوات الأخيرة، عبرت الحدود، وخاطبت العواطف والعقول في آن واحد، وتجاهلت تماما الغرائز (على غير المألوف)، ورغم الحس القومي الواضح (وهذا مفهوم في ظل الهجمة العالمية الحالية على تركيا) إلا أن قيم الإسلام خاصة، والقيم الإنسانية عامة كانت حاضرة – بقوة – في كل التفاصيل، حتى أن هؤلاء الأطفال أعادوا بكل عفوية وبراءة المشهد الذي قام فيه “أرطغرل” بتلقين “أريس” الشهادتين !!
أرطغرل مد جذوره إلى صعيد مصر، وهناك من المصريين من يُغرق العالم الافتراضي بـ (الكلام) عنه، ولا شيء غير الكلام، وليت فيه ما يفيد ..
محمد صلاح يثير إعجاب العالم بمهاراته وما يحققه من نتائج. فيحَسِّن لدى (الآخر) الصورة الذهنية البائسة عن العرب والمسلمين، وهناك من المصريين من نصب له المشنقة، ونازل فيه (هَرْس) !!

إنه لمن المؤسف ـ أشد الأسف ـ أن يجعل المرء من نفسه عود جرجير (عاقر) في بيئة تسمح له بأن يزهر ويثمر، فهذا هو العدم بذاته، وإن ظن المرء نفسه موجودا، أو ذا أثر ..

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

عماد الدين حسين يكتب: الفرق بين ماكرون ومبارك والسادات

بوابة القليوبية 12 ديسمبر 2018 هل نلوم حسنى مبارك لأنه لم يستجب لمطالب المتظاهرين في ...