د.مجدي شلش يكتب :خونة الثورة

بوابة القليوبية _مشاركات ومقالات

أكثر ما يؤلمني تخوين بعض الثوار لبعضهم ، لمجرد الشبهة أو اختلاف في وجهات النظر في بعض المسائل الثورية.

تحدي ضخم وكبير يواجه الثورة المصرية كاد أن يعصف بها ويجعلها نسيا منسيا.

سبب ذلك في الغالب أننا لم نحسن أدب الحوار وفقه التعامل مع القريب أو البعيد، فعند أي اختلاف في الرأى تظهر نبرة التخوين إما ظاهرة وإما مبطنة.

أيضا لم نترب على الفكر المؤسسي الجامع للآراء والأقوال وافتقاد المحققيين الراسخين في العلم في الجمع بين هذه الأقوال، مما جعل القول الصادرمن شخص مذهبا لا يمكن تجاوزه.

ولعل من ضمن الأسباب أيضا الخلط بين ماهو قيمة ومبدأ أو مجرد سياسة تقبل التغيير والتبديل حسب الظروف والمصلحة.

أفحش ما في التخوين الخروج عن القيم والآداب العامة الشرعية والعرفية، واستعمال الألفاظ الجنسية أو التلويح بها أو ذكرها من باب التعريض في الكلام أو الكناية وبالأخص مع النساء، خسة إنسانية ووضاعة في الحوار.

كل من يخون الآخر مما سمعت ويشتمه لا يعدو في نظري في الكثير الغالب قائما على الماضي والحكايات التي قد تكون لها أصل ولكن المخون برع في الزيادة حتي ينتصر في تخوينه لأخيه.

الشرع في ذلك واضح أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، وهناك فرق كبير بين البينة والشبهة، فالبينة قائمة على الدليل الذي لا يحتمل سوى معنى واحد، أما الشبهة فهى ظن الشىء الذي ليس ثابتا أنه ثابت، وهذا الظن لايمكن أن ينبني عليه حكم خطير مثل التخوين.

منذ أن وصلت إلى تركيا وقابلت أحد الثوار في الغالب يحذرني من التعامل مع فلان وفلان، لأن لهم علاقات مشبوهة بالمخابرات، وبالأخص كلما كان الشخص نبرته عالية في مسألة القوة والتعاطي معها إلا ويكون أكثر تهمة وشبهة من غيره.

يقولون عنه من أين جاء بهذه الجرأة وهذه الشجاعة، هذا إما مجرد تهويل منه أو دعوة لعسكرة الثورة ودخولها معترك العنف.

أيضا كلما كان الشخص أشد حرصا على الثورة واستكمالها ورد الشبهات عنها والمحافظة على منتجها من الشرعية والدستور والمجالس المنتخبة كان أكثر الثوار تخوينا من البعض، والتحذير منهم قائم على قدم وساق.

وأكثر ما يؤلم وقوع أفاضل الثوار في مسألة التخوين بلا بينة ظاهرة، ظنا منه أن الأصل الاحتياط في ذلك، وأنا مش ها انتظر لما تأتي البينة، وهذا سلوك خطير يجعل الثائر من أدنى شبهة خائنا.

لست ضد جمع المعلومات والتحذير من بعض الأشخاص الذين ثبت تورطهم في الدماء أو كانوا من أبناء مبارك أو ثبت حضورهم الفعلي والمؤثر مع الثورة المضادة، ولكل حكمه بدون إفراط أو تفريط.

أنا على المتسوى الشخصى معجب بكثير من الثوار الذين لهم حضور جيد في الساحة الإعلامية رجالا ونساء، ولا يمكن أبدا أتصور انهم خونة لمجرد الصوت العالي منهم أو القوة في الأداء الثوري والمحافظة على ثوابته ومكوناته.

الخائن الحقيقي في نظري هو الذي عاش الثورة لما كانت ظاهرة وتولى من خلالها المناصب أو المجالس، ثم لما حدث الانقلاب أصبحت الثورة عنده مؤامرة او فورة، عشرات الأشخاص خونة بهذا المعنى للثورة، وليس معنى التخوين هنا العمالة للخارج كما يخلط البعض، لكنها خيانة موقف ومبدأ.

كذلك لا استعبد الخيانة بمعنى العمالة للأعداء، لكنها تحتاج معلومات دقيقة، حتى لا نصيب قوما بجهالة فنصبح بسبب ما ارتكبت أيدينا نادمين.

التخوين في الغالب ناشئ من عدم وجود قيادة ثورية جامعة لكل الأطراف تحسن الفرز والتقييم بصورة علمية دقيقة، فغيابها أحدث نوعا من الفوضى والعشوائية في تقييم الأشخاص ومعرفة مدى قربهم أوبعدهم عن الثورة.

الساحة الثورية في الخارج وبالأخص في تركيا تحتاج تنقية الأجواء وتهية المناخ لحالة ثورية جامعة تكون داعمة لثوار الداخل.

نحن بشر نخطئ ونصيب لكن مسألة التخوين بدون دليل تترك جرحا لا يندمل بسرعة، لكن العلاج وجمع الثوار على كلمة سواء أصبح فريضة وضرورة.

أنا مؤمن تماما بأن الثورة أمانة بشهدائها ومعتقليها ومطارديها من جميع الشرائح والتجمعات، قال ذلك الرئيس الشرعي الدكتور مرسى ونبه عليه وحذر من سرقة الثورة أو التفريط فيها بأي حجة من الحجج، ولا حرج عندي من الاستشهاد بقوله تعالى: ” ياأيها الذين ءامنوا لاتخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ”
من خان الثورة وكفر بها وعمل ضدها وقال عنها مؤامرة فهو خائن للأمانة التي دفعنا فيها أشرف وأعز الدماء، وسجن واعتقل من أجلها أفضل الرجال والنساء.

نعم قد تكون الثورة في نظر البعض ماتت وانتهت أو ضعفت ولا قيام لها، لكنه لا يعمل ضدها ولا يسوق لغيرها ولا يتهمها بالمؤامرة.

بمفهوم المخالفة من كفر بالثورة كفر بشرعية الدكتور مرسي، لأنه من ناتج الثورة، ومعنى ذلك أنه يسلمه للقتل أو استمرار الحبس، وهذا جحود ونكران للرجل في ثباته وقوته.

لست مع الذين يخونون الكل أو يتركون الكل، لكن للثورة قيم ومبادئ معلومة ومعروفة من لم يؤمن بها ويعترف لها بالفضل فلينسحب بهدوء، لكنه لا يجعل من نفسه مفكرا ويقول الكل يسعى للسلطة، من يريد عودة الشرعية في نظره ليس أقل جرما ممن انقلب عليها، تفكير ساذج وسطحي، اتهام الكل مذمة وتبرئة الكل قلة اكتراث وعدم وعي وفهم.

أسعد يوم عندي لما يجتمع الثوار على فكرة الثورة، ويعملون لتحقيق المشترك المتفق عليه، ويتفاهمون في المختلف فيه بكل حب واحترام.

كفانا غيبة ونميمة ونهشا للأعراض بأدني ملابسة أو شبهة، الثورة قائمة وقادمة ومنتصرة شاء من شاء وأبى من أبى.

الأيام دول، والحضارة دوارة، والظلم لن يدوم، وأيام الله بالنصرقادمة، ومحاربة اليهود تحت راية الخلافة ثابتة، فهل من مشمر ومجاهد ومثابر وثائر؟

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

مصطفى جاويش يكتب: الصحة في مصر.. بين قسم الطبيب وقسم الوزيرة

بوابة القليوبية 22 يوليو 2018 شهدت الساحة المصرية زخما شديدا ما زال مستمرا؛ منذ أن ...