عبد التواب بركات يكتب:ثلاثة تساؤلات قبل أن تحل كارثة سد النهضة

 بوابةالقليوبية_مشاركات ومقالات

أعلن وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور، فشل مصر والسودان وإثيوبيا في التوصل لأي اتفاق بشأن قواعد تعبئة وتشغيل سد النهضة الإثيوبيي، وذلك يوم 6 من أبريل/نيسان وبعد اجتماع مطول استمر نحو 13 ساعة على في العاصمة السودانية الخرطوم، ضم وزراء الخارجية والري ومديري المخابرات في الدول الثلاث. وقال الوزير السوداني “جلسنا وناقشنا كثيرًا من القضايا، لكن في النهاية لم نستطع الوصول لتوافق للخروج بقرار مشترك”.

استقر علم إدارة الأزمات على أن الاعتراف بوجود الأزمة هو أول مراحل إدارتها، وأن تحديد الأهداف هو أهم عوامل النجاح في حلها، وأن كسب الوقت هو عامل الحسم في تقويضها ومنع تفاقمها، وأن الإيمان بعدالة القضية والإخلاص لها هو ألزم صفات القائد الذي يديرها.

وأزمة سد النهضة، كغيرها من الأزمات، هي لحظة تحول فاصلة في حياة الأمة المصرية، وخط زمني بين الإستقرار والإضطراب، وبين الحياة والموت عطشًا أو جوعًا، وبين السلم الأهلي والاقتتال على شربة الماء، وبين استقرار الإقليم والحرب الشاملة، الامر الذي يزيد شعور المصريون بالقلق مع كل تصريح يخرج عن مسؤول في إدارة مفاوضات أزمة سد النهضة، لا سيما أن إثيوبيا تكاد تنتهي من بناء السد.

السيسي يفشل

ما من شك في أن إعلان فشل المفاوضات يحرج الجنرال عبد الفتاح السيسى الذي نفى وجود أزمة من الأساس، نهاية يناير/كانون الثاني الماضي وقال “كونوا مطمئنين تماما فى إثيوبيا وفي السودان، وفي مصر، فيه قادة مسؤولين، التقينا واتفقنا مافيش ضرر على حد.. ومفيش أزمة، ألف مبروك وذلك بعد جلسة مباحثات بخصوص السد، عقب قمة ثلاثية مع الرئيس السودانى ورئيس وزراء إثيوبيا.

وجاء إعلان فشل المفاوضات في الخرطوم بعد قرابة خمسة شهور من إعلان فشل مماثل في القاهرة، ما يعني أن النجاح الوحيد في مفاوضات سد النهضة هو استمرار إثيوبيا في بناء السد وعزمها على انجازه صيف هذا العام. وبعدها يصبح سد النهضة كالجلطة الدموية التي تسد شريان الحياة في مصر، وتنتقص مياه النيل الذي لولاه لما دبت في مصر حياة، ولا قامت على أرضها حضارة.

وبعد سبع عشرة جولة من المفاوضات بين مصر واثيوبيا والسودان والممتدة لقرابة الأربع سنوات، فرط السيسي في عامل الوقت، وفشل في كسب اعتراف اثيوبيا بحقوق مصر التاريخية في مياه نهر النيل، كما فشل في وقف بناء السد أو منع زيادة حجمه، أو الاتفاق على سنوات الملء الأول، وسعة الخزان، وسياسة التشغيل التي تضمن هذه الحقوق، وتجنب مصر أي ضرر ذي شأن، وفرط في حصة مصر المائية بتوقيعه اتفاق المبادئ في مارس/آذار 2015، والذي أعطى شرعية للسد كان محرومًا منها حتى توقيعه هذا الاتفاق المثير للجدل.

شح الماء وفجوة غذاء

جدير بالاحاطة، أن مصر التي تخطت الـ 100 مليون نسمة، ليس لها مصدر مياه غير نهر النيل، وأن حصتها محدودة بـ 55.5 مليار متر مكعب، يستهلك المصريون 85% منها في ري 8.5 مليون فدان، هي رقعة الأراضي الزراعية، و10 مليارات متر مكعب في الشرب، و1.5 مليار متر مكعب في أغراض الصناعة، هذا غير الملاحة الداخلية التجارية منها والسياحية، إلى جانب استخدامها في توليد 2000 ميغا وات من الطاقة الكهربائية.

وقبل أن تبدأ إثيوبيا في ملء خزان سد النهضة، تعاني مصر من فجوة في إنتاج القمح قدرها 60%، والذرة 50% وزيوت الطعام 92%، وتستورد 70% من سلتها الغذائية. وتبلغ فاتورة الورادات الغذائية السنوية لها بين 10-12 مليار دولار، أي ما يعادل 176-211 مليار جنيه، حسب تصريح محافظ البنك المركزى، طارق عامر، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وهو رقم كبير، كما وصفه رئيس البنك المركزي، ويمثل 20% من حجم الواردات المصرية والتي بلغت 62 مليار دولار العام الماضي، حسب تقرير الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء الحكومي الصادر في يناير/كانون الثاني الماضي.

وبالرغم من تسجيل فاتورة الواردات المصرية تراجعًا بنسبة 11% في 2017، فان فاتورة الواردات الغذائية في تزايد مطرد. وسجل التقرير الصادر عن الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات تزايد واردات القمح بنسبة 15%، لتبلغ 2.6 مليار دولار، وفول الصويا، الذي يدخل في أعلاف الدواجن البيضاء بنسبة 36%، لتقارب المليار دولار، والذرة الصفراء التي تُستخدم في الغرض ذاته، زادت إلى ما يقارب ملياري دولار.

وحسب تصرح وزير الري الحالي، محمد عبد العاطي، أمام غرفة التجارة الأمريكية بالقاهرة، فإن مصر تعاني من عجز مائي يقدر حاليًا بـ 20 مليار متر مكعب، وفقدان مصر 2% من المياه، بما يعادل مليار متر مكعب، يعني فقدان 200 ألف أسرة لوظائفها، ما يجعلها عرضة لأخطار التطرف. وحسب بيانات جهاز الإحصاء المصري، فإن متوسط عدد أفراد الأسرة المصرية يتراوح بين 4 و5 أفراد، ما يعني أن فقدان 20 مليار متر مكعب من مياه النيل سوف يؤدي إلى تشريد 4 ملايين أسرة أو 16 إلى 20 مليون مصري وتطرفهم.

سيناريوهات كارثية

صرح الدكتور علاء النهري، نائب رئيس المركز الإقليمي لعلوم الفضاء في الأمم المتحدة، بأنه أشرف على دراسة علمية استمرت عامين تحت عنوان “الآثار السلبية لسد النهضة الإثيوبى على مصر” وتوصلت الدراسة إلى أنه “لو فقدنا من 4 إلى 4.5 مليار متر مكعب، سوف يتم تبوير مليون فدان، ولو افترضنا أنهم هياخدوا 10 مليارات فقط سنوياً، ده معناه أنه هيبوّر 2 مليون فدان” وفق تصريحه لصحيفة الوطن في 19 من يناير/كانون الثاني 2016.

وأعلنت الحكومة الإثيوبية أنها ستحتجز 74 مليار متر مكعب من مياه النيل، ولكي يصل السد للمنسوب المعلن سيحدث تسرب كمية من المياه ستصل لنحو 24 مليار متر مكعب حسب التقدريرات العلمية، ما يعني أن ما يقارب من 100 مليار متر مكعب من مياه النهر سيتم اقتطاعها خلال 3 إلى 5 سنوات.

وإذا خزنت إثيوبيا المياه في 4 سنوات، فانها سوف تقتطع 25 مليار متر مكعب من حصة مصر السنوية. هذه الكمية سوف يتم تعويضها من المخزون الحي لبحيرة ناصر والبالغ 60 مليارا، وبذلك يتم تفريغها تماما بعد 3 سنوات. وتتوقف توربينات توليد الكهرباء تماما، وفي السنة الرابعة تكون حصة مصر 30 مليارا فقط، ويتم تبوير 4 ملايين فدان، وهو رأي الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق. هذا في حال ما إذا كان الفيضان متوسط.

وفى حال جاء الفيضان منخفضا، وأقدمت إثيوبيا على ملء خزان سد النهضة خلال 5 سنوات فقط، فان رأي الدكتور علاء الظواهري، عضو اللجنة الثلاثية المصرية الرسمية في مفاوضات سد النهضة، هو أن بحيرة ناصر سوف تفرغ من مخزونها تمامًا فى أول عامين من سنوات الملء، وتقل مستويات المياه فى النيل، وهو ما سيُحْدِث خللا فى مآخذ محطات مياه الشرب على النيل، وستحتاج تطويرا وإمدادات هندسية، تتكلف على الدولة مئات المليارات من الدولارات، بحسب تصريحاته بجريدة المصري اليوم، في 2 من مارس/آذار 2014.

وسينخفض منسوب المياه الجوفية في الصعيد بنحو 3 أمتار، وتزداد ملوحة الخزان الجوفي في الدلتا بسبب زحف مياه البحر، ويزيد معدل التآكل في السواحل الشمالية. كما سيؤدي إلى تفريغ المياه من السد العالي، ليصل إلى حد جفاف السد العالي تمامًا في السنة الثالثة للتخزين، وستتوقف توربينات السد العالي وخزان أسوان، وبالتالي خفض كميات الطاقة الكهربية المنتجة، وسيؤدي إلى تدهور شديد بالمزارع السمكية بين 50% إلى 75% منها، وفق رأي الدكتور محمد نصر الدين علام.

تساؤلات مشروعة

قبل أسبوع من إعلان فشل المفاوضات، احتفلت إثيوبيا بالذكرى السابعة لبدء بناء سد النهضة في الأول من شهر أبريل/نيسان، والسؤال الأول هنا، لماذا يستمر السيسي في بيع الوقت لإثيوبيا حتى تنتهي من بناء السد العدواني ويصبح أمرًا واقعًا وكابوسًا مفزعًا، من دون أن يعلن عن خطة بديلة تلزم إثيوبيا باحترام قوانين الأنهار الدولية ومعاهدات النهر التاريخية، وتضمن حصة مصر المائية وينهي هذه المفاوضات العبثية؟

والسؤال الثاني هو، هل كان السيسي يجهل وجود أزمة في مفاوضات سد النهضة وهو ينفي وجودها من الأساس عقب قمة يناير ويقول مفيش أزمة؟ أم أنه كان على علم تام بها، ولكنه خدع المصريين حتى تمر الانتخابات الرئاسية دون سخطهم؟ إن كانت الأولى فهى مصيبة، وإن كانت الثانية فالمصيبة أعظم!

والسؤال الثالث والأخير هو، لماذا لا يأخذ السيسي بنصيحة خبراء حوض النيل المصريين، وهم وزراء وسفراء وخبراء مياه دوليين، ويتوجه إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، ويستخدم حق مصر في استصدار قرار أممي يلزم إثيوبيا بوقف أعمال بناء السد حتى إنجاز الدراسات الفنية، أو يلزمها بحجم أصغر للسد، أو عدد سنوات أطول للملء وتعاون منصف في التشغيل؟

 

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

كشف علمي: “القمح والشعير”كانا وسيلة اختبار الحمل لدى الفراعنة

بوابة القليوبية | مشاركات ومقالات   كشفت صحيفة “ديلى ميل” البريطانية، كيف كان يجري المصريون ...