د. مجدي شلش يكتب : حقيقة الكفر وحقيقة الإيمان

بوابة القليوبية_مشاركات ومقالات

 

دعاء سيدنا عمر بن الخطاب – رضى الله عنه – ” اللهم إني أعوذ بك من جلد الكافر وعجز الثقة ” فيه من المعاني والحكم الشىء الكثير.

نعم الكفر كله ملة واحدة من حيث عدم الإيمان بالله وبرسوله أو أحد عناصر الإيمان الأخرى المعروفة، أو هدم ركن من أركان الإسلام المشهورة.

لكن بعض الناس يعتبر الكفر حياة ورسالة، ويتعمق فيه حتى يصل الذروة من العداء والحقد والطغيان والإرهاب، فلا يشبع من سفك الماء، ولا يمل من قتل الأبرياء، ولا يهدأ بالليل أو النهار لنشر الرعب بين المؤمنين الصالحين.

أقصد بحقيقة الكفر العمل المتواصل من الكفارالذي لا يكل ولا يمل، والتخيطيط الذي لا يغادرصغيرة ولا كبيرة في ظنهم للصدفة أو الفوضوية، واستشراف المستقبل لحياة أكثر كفرا وإلحادا وظلما وإرعابا بتنظيم وترتيب ومؤسسية.

كفر منظم لا يعرف العشوائية في القرارات، ولا الفردية في الأقوال والآراء ، وقديما قال الكفار لبعضهم ” فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى ”

نعم يستعلى الكفر ويفلح عند اجتماع أمره وشركائه، ويصنع المؤسسات وبيوت الخبرة لمحاربة الإيمان وأهله ” وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ” فليس هناك غلبة بدون حركة وتشويه وتشويش على أهل الحق.

هذا بعض من صور جلد الكافر الذي جعل من كفره وإلحاده أكبر قضاياه وأولى مهامه في الحياة، كم تعب الكفار وجاهدوا لإطفاء نور الله، بعضهم ضحي بالغالي والنفيس في سبيل فكرته وعقيدته ” إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله …” ” أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ”

أكبر حقيقة للكفر هي صناعة الولاءات الكفرية بين المتحدين، وكذا المختلفين فى الظاهر لكن ضد أهل الإيمان فهم يد على من سواهم ” والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير “.

كفر لا يعرف لغة التعايش، وثقافة تبادل المعرفة، وإنما فهم حقيقة الصراع بينه وبين مقابله، فامتلك أدواته، وبطش بكل قوة وعنف حتى لا يقوم لعدوه قائمة ” كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواهم وأكثرهم فاسقون ” “لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون ”

مئات الآيات التي بينت بجلاء ووضوح طبيعة الكفر ونفسيته ومقاصده ” الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال مبين ” ” اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون ”

العالم الآن مصيره في الظاهر بين يدي الكفار، يتلاعبون بالشعوب المسكينة، ويدمرون الأمم الفارغة التافهة، ويعبثون بأرضه وسمائه وفضائه، ويلوثون ماءه وهوائه، لا خلق من دين أو ضمير يردع أو يكف، ولا مسحة من عاطفة تمنع أو تعف، قتلوا حفظة القران الأطفال الأبرياء بلا رحمة ولا شفقة، سحقوا الحرية والكرامة باسم المؤسسات الكبري، والمنظمات العالمية العفنة.

يفرحون ويمرحون ويغنون ويرقصون على أشلاء صغار فلسطين واليمن وليبيا ومصر وأفغانستان وسورية، العداوة ظاهرة، والبربرية واضحة، والجريمة أركانها متكاملة، ويخرج بعض المهرجين يمدح ترامب وسياسته، وماكرون وطريقته، وماركل وحكمتها، ألا شاهت الوجوه، وقطعت الألسنة.

سؤال لدعاة التعايش والحب والمودة والتواصل الذين صدعونا بالسماحة والحب والرأفة والرحمة في غير محلها وموضعها، لمن أعد هؤلاء الكفار الأحلاف العسكرية ؟ والمعدات الجهنمية الذرية والهيدروجينية ؟ لمن صنعوا أدوات التعذيب والقتل المباشر والبطيء ؟ ألا تستحون !

ما قدموا لنا إلا العهر والدمار، وما صنعوا إلا العنف والإرهاب، كفي خداعا وتضليلا وكذبا وزورا وبهتانا، كم من أناس لأجل لقمة العيش باعوا دينهم، واصطفوا عن علم أو جهل مع الكذبة لدعاوى باسم الحكمة والموعظة الحسنة، وهي منهم براء.

يأتي الصنف الثاني من الكفار الذين لا جلد لهم ولا عدوان على الغير، نعم قد يكون في الغرب كثرة من هؤلاء تحب التعايش مع الغير وتحترمه، وتقدر الآخر وتجله، لكن الأمر في النهاية لمن امتلك الأصوات، وجاء بالانتخابات ويعلن أمام العالم كله بدعوى العنصرية والطرد والإبعاد لكل من خالفه فى الدين أو المذهب.

نعم الإسلام يحترم الآخر الذي لا يعتدى ولا يبغي، ويقدر بني البشر جميعا بحكم الإنسانية والآدمية، وهو في الوقت نفسه يحرم الظلم والاستعباد والاستبداد والطغيان، ويأمر أهله صراحة برد العدوان، والجهاد والنزال لكل كافر مجرم سفاك للدماء.

أما حقيقة الإيمان فهي أروع من جلد الكفر القائم على الزيف والتزوير والبهتان، أمر الإيمان الحقيقي موصول بالله الخالق، يستمد قوته من قوته، ونصره وتأييده من خالقه ورازقه ومدبر أمره، ثم من تمام حقيقة الإيمان ” وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ترهبون به عدو الله وعدوكم …” لا نفاذ لحق لا شوكة له، ولا قيام لأمة إلا بالقومة والهبة وصرع الباطل تحت أقدامها ” حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله …”.

الإيمان الحقيقي هو الذي يتخذ من الأسباب ما يدفع به كيد الأعداء، وشر الأشرار، وفجر الفجار، لا مسكنة ولا مذلة ولا مهانة ولا انكسار أمام باطل باسم فقه المآلات والمقاصد، البعض اتخذ الاستسلام شريعة، والذل والهوان للنوم والكسل ذريعة، وبيع الثورات والأوطان واقع وحقيقة، جبناء الخلق، سفهاء العقل، بلهاء التفكير، تربعت الدنيا على قلوبهم، تركوا التخطيط والإعداد وفوضوا بجهل منهم فى غير موضعه الأمر لله.

حقيقة الإيمان تتربع في الجهاد في سبيل الله بالغالي والرخيص، والتضحية بالنفس والنفيس، الفريضة الماضية إلى يوم القيامة شاء من شاء وأبى من أبى، الجهاد فى موضعه وفقهه، وأوله منازلة ومكافحة جلد الكفار، إذا تركنا الجهاد الحق القائم على القسط شوهه الدواعش والخوارج والقواعد، وظهرت الرايات السود التي صنعت وتربت وتعلمت يقينا أيدي الكفار سود القلوب.

حقيقة الإيمان تكمن في الأخوة والترابط والوحدة والتكامل والتعارف والتفاهم والتراص نحو أهداف جامعة، وتصورات منيعة، واستراتيجيات مبهرة، لا فرقة في الإسلام، ولا تنازع تحت راية الإيمان، حرام على كل مفرق للجماعات بين أبنائها، وممزق للشعوب والأمم باسم الحزبيات أو الجزئيات أوالعصبيات المنتة.

تغلب حقيقة الإيمان حقيقة الكفر إذا فهم المؤمنون طبيعة الصراع، وجمعوا الشتات تحت راية الأمة الواحدة، وملكوا زمام الحرب والنزال وصدق الله حيث قال: “… ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعكم فيملون عليكم ميلة واحدة …”

تغلب حقيقة الإيمان حقيقة الكفر بالشورى كما أمر الله ” وشاورهم في الأمر…” والبحث عن الأكفاء، فلن تسود أمة بكهنة المعبد الذين يرتعون ويأكلون أموال الناس بالباطل، ويجعلون من الذكر والاستغفار والأوراد – مع أهميتها – بديلا عن الجهاد، القرآن جمع بينهما في قوله تعالى ” ياأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ”

لن تغلب حقيقة الكفر حقيقة الإيمان صاحب الأركان، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، البعض منا ينتظر الذبح ويقول ما باليد حيلة، الواقع صعب، والتحديات كبيرة، والمشقات غير محتملة، ليس لنا إلا الصبروالاستسلام لواقع الأمر والحال، هذا هو عجز الثقة الذى تعوذ منه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضى الله عنه – وفيه إهدار للتكاليف الشرعية، وبعد عن حقيقة المعركة ولبها، وإيثار للسلامة باسم الخوف من المآلات والوسم بصفة الإرهاب، فلا نامت أعين الجبناء.

استدراك مهم :
قد يقول قائل: ليس للكفر حقيقة بالمعني الاصطلاحي في العقيدة، لأنه باطل، والباطل زبد لا حقيقة له.

والجواب: لم أقصد المعني الاصطلاحي المأخوذ في باب العقائد، وإنما قصدت بالحقيقة الصورة الذهنية التي قام عليها الكفرتجاه المسلمين، وحركته بكل دأب وقوة لإزالة الحق من أمامه، وسعيه في تحقيق ذلك أمر لا ينكره عاقل.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

سليم عزوز يكتب: الرعاة الرسميون للانقلاب

بوابة القليوبية 18 يوليو 2018 لا قيمة لاعتراف “خافيير سولانا” بعلمهم (الناتو) المسبق بالانقلاب في ...