د.مجدي شلش يكتب: أمة النصيحة أمة الخير

بوابة القليوبية_مشاركات ومقالات 

 

أحلى وأجمل الأوصاف التي وصفنا الله بها قوله تعالى: ” كنتم خير أمة أخرجت للناس…” والخيرية ليست خيرية جنس أو لون أو جاه أو ملك، بل خيرية قيم ومباديء، من استمسك بها نالها، ومن فرط فيها عوقب بضدها، ليس بين الله وأحد من خلقه نسب، إلا الاتصال الوثيق، والإيمان العميق بقوله تعالى:” …ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ” والربانية هي التلقي عن الله تعالى فيما أمرونهى، والاجتهاد والإبداع فيما ترك وسكت، وأعلى قيمة فى هرم الخيرية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمعروف اسم جامع لكل ما يحبه الله، والمنكر اسم جامع لكل ما يبغضه الله.

ومن المعروف الذي يحبه الله قطعا النصحية لكل مسلم، والرسول – صلي الله عليه وسلم – حصر الدين فيها، فقال: ” الدين النصحية…” فلا تدين بلا نصح، والنصح بغير معروف وأدب حماقة، وصغر عقل، وقلة دين وفقه، من كان ناصحا فلينصح بمعروف، أو يعمل معروف ويسكت حتى يتأدب بأدب النصح، سبحان الله الخيرية متوقفة علي الإيمان بالله ومجرد التناصح بين المسلمين، نعم، ليست بالأمر الهين أو اليسير من الناصح المتمتع بأدبها، والمنصوح المنتظر للتربية والارتقاء، لا كبير على النصح، جاء من صغير أو كبير، رجل أو امرأة.

من أدب النصيحة : الإخلاص، بأن يكون النصح لله، لا لبيان عيب أو إظهار نقص في المنصوح، والتلطف، بأن تكون بألين الألفاظ وأحسنها ، قال تعالى: ” وقولوا للناس حسنا…” ” وقل لعبادى يقولوا التي هي أحسن…” ” ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا…”وقوله – صلى الله عليه وسلم – : إن الله كتب الإحسان على كل شىء…” وكما يختار الناصح أرق وألطف الكلمات يختار للنصيحة أنسب الأوقات، وأقرب الأحوال التي يكون المنصوح فيها قريب الاستجابة، النصح ناتج الحب والخوف والرحمة والشفقة بالخلق، وتكرار النصح لازم لمن لم يستجب بأوله، الإنسان حالة مزاجية معقدة التركيب، الصبر عليه مطلوب ومفروض، حتي تؤتي معه النصيحة ثمارها.

النصحية تبذل للعالم والجاهل، والقريب والبعيد، والمسلم والكافر، والمؤمن والفاسق، والسياسى والبرلماني، والحاكم والمحكوم، والأفراد والجماعات والأمم والشعوب والدول، الكل يحتاج إلى النصحية، والناصح اليوم منصوح غدا، علاقة تبادلية بين الجميع، الكل للكل ناصح ومعين، جوهر رسالات الأنبياء النصح للعامة قال نوح لقومه: ” أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم…” وهود لقومه “… وأنا لكم ناصح أمين” وثمود قال ” …لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم…”

والأصل فيها أن تبذل علي خير وجه، وتقبل علي أي وجه، فمهما كان الإنسان عالما أو فقهيا يحتاج إلى النصح ليسدد عقله، و يكمل نقصه، ويرفع قدره، والحكمة ضالة المؤمن أني وجدها فهو أحق الناس بها، ما تكبر علي النصيحة إلا جهلة القوم وسفلتهم، رحم الله القائل: ” رحم الله امرأ أهدي إلي عيوبى” نفسية طيبة، قابلة للغرس والزرع، تعتبر النصيحة هدية، وأما الخبيثة فتعتبرها كارثة ومصيبة، ونقصا وعيبا فى الذات.

مهما كان بيننا من اختلاف فلا بد أن نقبل النصيحة من بعض، فنحن أبناء مشرب ومأكل وملبس وثقافة ودين وتربية وتعليم وتهذيب واحد، لا ينسى ذلك إلا من تهون عليهم العشرة ، ولا يفعل ذلك إلامن ليس عنده أصل ولا فصل ولا فرع، ” والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ” ” …ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا…” كيف لا أقبل النصح من أخي لمجرد اختلاف عارض ويزول، وقد أكلت وشربت ونمت وتعلمت منه، لا معقول ولا مقبول، أعجب من بعض الإخوة الذين ترعرعوا على يدي نبتا غضا طريا حتى استوى على عوده، إذ به لا يعرفني ولا يكلمني ولا ينصحني لمجرد أني خالفته الرأى، أو خالفت من يحبهم القول، أو أن محادثتي قد تجلب عليه بعض الأذي، ما أحقرها من نفوس، وما أذلها من أخلاق، وما أضلها من عقول، الأصيل من راع وداد لحظة، أو تعلم لفظة، فكيف بكتب كاملة، وسنين عديدة، وأيام مجيدة، عشنا فيها الحب والإخلاص والعمل والتضحية، كم جاهدنا ليلا ونهارا، وسرا وعلانية، عقلي غير مستوعب لهذا البعد والكره والخوف، وقد عشنا ورأينا الموت معا مئات المرات، والسجن شهور معدودات، أسلم على أخ فلا يرد علي السلام، وأطلب من اخ طلبا فلم أر له جوابا. كم بكيت من إهمال الأحباب، ونسيان اللطف والود،من بعض الإخوان، ونكران الجميل من قوم كانوا ومازالوا هم الأحباب والصحاب.

قدم بعض الإخوة الكرام نصحا للجماعة فى صور تقييم لمرحلة مضت، والتقييم في أصله الشرعي واجب ولازم، وإلا لما قال الله سبحانه وتعالي يوم بدر” كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون” وقوله في أحد: ” هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين” وقوله :” منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ” وقوله يوم الأحزاب ” من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه…” وقوله يوم حنين ” إذ أعجبتكم كثرتكم …” وهناك عشرات الشواهد على مشروعية الأصل ولزومه، فأنكر البعض إنكارا شديدا، وعاب البعض وخرج عن أدبه فسب ولعن، أعلم أن الأصل معروف عند الجميع، لكن النصحية بالتقييم لا تقبل من هؤلاء، في نظرهم، أو ليس وقتها، ولا هؤلاء أشخاصها.
هل نسنا قوله تعالى :” …اعدلوا هوا أقرب للتقوى” وقوله تعالى:” ولو علي أنفسكم أو الوالدين والأقربين…” الرشد الرشد يا أحباب، والقرب القرب ياصحاب، شئنا أو أبينا نحن أمة واحدة، وكيان واحد، وتاريخ وحاضر ومستقبل واحد.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : (مو) صلاح.. و(ما) شوكان

 بوابة القليوبية _مشاركات ومقالات ليس تقليلاً من حجم موهبة اللاعب محمد صلاح وروعة إنجازه، ولا ...