د. مجدي شلش يكتب: الإدارة في الخفاء والتربيط بين القياس والاستحسان

بوابة القليوبية_مشاركات ومقالات 

لفظ القياس يطلق ويراد به القياس الأصولي وهو إلحاق النظير بالنظير والشبيه بالشبيه، ويطلق ويراد به القاعدة العامة، وهو المعني المقصود هنا، فلكل علم من العلوم قواعد عامة ، فمثلا من قواعد علم النحو: أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب، ومن قواعد علم الأصول: أن الأمر للوجوب ما لم تقترن به قرينة تخرجه إلى غيره من الندب أو الإباحة أو غيرهما، وأن النهي للتحريم، ومن قواعد علم الفقه: لا ضرر ولا ضرار، والعادة محكمة، وما ثبت بيقين لا يزول بالشك، ومن قواعد علم السياسة الشرعية: أن تصرف الإمام معلق بالمصلحة العامة، وأن اختيار الحاكم حق للأمة، ومن القواعد الثابتة فى علم الإدارة: من لم يخطط للنجاح فقد خطط للفشل، ومن ذلك نعلم أن لكل علم – أي علم – قواعد يطلق عليها لفظ القياس، وهو اتباع القواعد العامة لكل علم، وعدم الخروج عليها.

والاستحسان معناه: الخروج والعدول عن حكم القاعدة العامة إلى حكم آخر اقتضى ذلك العدول، ومن خطورته أنه لايكون إلا بدليل في المسائل الشرعية، لأن إهمال القواعد العامة التي اتفق عليها وأصبحت من الثوابت يهدم العلم من أساسه، سواء أكان عقيدة أو شريعة، فمن قواعد علم العقيدة الثابتة – مثلا – الثبات علي الإيمان وعدم النطق بكلمة الكفر، والخروج على هذه القاعدة لايكون إلا بدليل، وهو قوله تعالى : ” إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان…” ومن ثوابت الفقه: أن الصوم واجب على كل من شهد شهر رمضان، ولايجوز الخروج على هذا الحكم إلا بدليل آخر يجيز العدول عن الحكم الأول وهو وجوب الصوم لمن شهد الشهر إلى حكم آخر وهو قوله تعالى : ” … فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر…” والاستحسان بهذا المعني هو الخروج عن الحكم العام بدليل شرعي متفق علي جوازه، لكن يبقي ذلك في حيز الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ولايهدمها، فالأصل باق على أصله وهو العزيمة، والاستثناء له حكمه وإطاره وهو الرخصة، لكن قلب العزائم إلى رخص واستثناءت بدون مسوغ ودليل فهو الاستحسان بالهوى والتشهي والتلذذ العقلي الفردي الذي أبطله جميع الأئمة وفي مقدمتهم الإمام الشافغي – رضى الله عنه – حيث قال :” من استحسن – أي خرج عن الحكم العام – فقد شرع ” ومن شرع بغير دليل خاص أو عام فهو على خطر عظيم، ومن خطورة الخروج على القواعد العامة بغير دليل كتب الأمام الشافعي كتابا سماه إبطال الاستحسان.

وعلم الإدارة له قواعده الثابتة المتفق عليها، فالعدول عنها بغيرمسوغ مصلحي عام وحقيقى يكون هوى وتلذذ شخصي وفردى يهدم ولا يبني، يفسد ولا يصلح، يؤخر ولا يقدم، وقد ذم الله الهوى في القرآن أكثر من مرة فقال تعالى : ” أفرأيت من اتخذ إله هواه وأضله الله على علم …” فصاحب الهوى عنده علم ، لكن آراه الشخصية ومزاجه الفردي أكبر عنده من الجماعة التي ينتمي إليها، والدين الذي يؤمن به، وما ذكرته هو المعني العام للآية ولا أقصد به شخصا معينا، لأن تنزيل الحكم على المعين أمر له قواعد أخرى مع معنى الآية، وقال تعالى لداوود عليه السلام: ” .. إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله …” وهو نبي من أنبياء الله حذره الله من اتباع المزاج الشخصى والرأي الفردي فهو ضلال وبعد عن طريق الله، ثم رتب على ذلك عقوبة وهي ” ….إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ” فدل ذلك على حرمة الآراء الشخصية والفردية البعيدة عن المصلحة العامة والكلية، وهذا هو الاستحسان المقصود في المقال.

من ثوابت علم الإدارة الشفافية والتجرد عند الاختيارفي الانتخابات، والنظر دائما في اختيار الأنسب والأصلح للمهمة التي يختار لها، العقل مقدم على العاطفة، والمصلحة العامة على الخاصة، والكلية على الجزئية، والحقيقية على الوهمية هذا هو القياس – أي القاعدة العامة – أما من استحسن وتلذذ بهواه واختار شخصا ليس مناسبا للمهمة أو الوظيفة فانتظر الهلاك والدمار والتقهقر إلى الوراء، إذا أردت أن تفسد أمة أو جماعة أو دولة فول عليها من لا يحسن إدارتها وكفى بذلك هزيمة لها وتراجعا لمصالحها العامة، ومن الاستحسان بالتلذذ والهوي ما يعرف بالتربيط في الانتخابات، ومعناه أن يسعى شخص أو مجموعة لاختيار أناس فى الغرف المغلقة والدعاية لهم سرا بين الجمعية العمومية ضد أناس آخرين، أو لقصد تنحية البعض الذي لا يرغبونه، وهذا من أسوأ أنواع الاستحسان المنهى عنه، لأن الذي يفعل ذلك في الغالب له مصالح شخصية ومآرب فردية يريد أن يحققها من خلال هذه المجموعة، مهما تذرع بالمصلحة العامة من أجل ما فعل، هذا طبعا بخلاف الانتخابات المتفق عليها بنظام القوائم، فللشخص أن يختار من يشاء في قائمته بشرط الصلاحية للمهمة والوظيفة التي يقوم بها، لكن الانتخابات التي لا تجيز التربيط من الخلف وتأتي مجموعة تحت أي عذر وتربط للبعض حتي لا يأتي من لا يرغبون فيه فهذا هو المكر بعينه والتلذذ بالاستحسان باسم المصلحة العامة.

ومن ثوابت علم الإدارة الشورى الحقيقية عند اتخاذ القرارات، وبالأخص القرارات المهمة التي تترتب عليها آثارا كبيرة وعظيمة، هذا هو القياس – القاعدة العامة – والخروج والعدول عن القياس بالاستحسان بالقرارات الفردية في أمر الجماعات أو الدول تلذذ بالهوي والمزاج الشخصى، وقد نهي عنه الشارع الحكيم، فذم فرعون لقوله : ” ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ” فالجماعات أو الدول التي ترضى أن يحكمها شخص أو عائلة أو شلة فهي مهزومة لاشك، الكيان الكبير ملك للجميع، من أراد أن يتخذ قرارا فرديا فليكن فى خاصة نفسه أو أهله، أما أمر الأمم أو الجماعات أو الدول فالأمر شورى، كما قال الله سبحانه وتعالى: ” …وشاورهم في الأمر…”

ومن الثابت أيضا في علم الإدارة ظهور وحضور من يدير، هذا هو القياس، وأدلته لا تحصي من القرآن والسنة، قال تعالى: ” واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم …” وقوله تعالى: ” وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم …” وقوله تعالى: ” أن جاءه الأعمى ” وحضوره – صلى الله عليه وسلم – في الحرب مع توقع الإصابة والقتل معروف ومعلوم، بل أصيب فعلا في غزوة أحد، وخاف عليه الصحابة وبنوا له عريشا خاصا في الأحزاب، لكنه كان في المعركة ولم يستخف تماما في مكان لا يعرفه فيه أحد، وإذا حمى البأس واشتد وطيس المعركة كان في أول الصفوف والناس من حوله، كما أن احتجاب الراعي عن رعيته تحت الذرائع الشخصية متفق علي ذمة، والأحاديث في ذلك أكثر من أن تحصى، فظهور القيادة لدى الصف يجنب المشكلات، ويحل المعضلات، ومن ليس عنده قدرة علي الظهور والإدارة فليسترح وليتركها لغيره، لأنه ليس متعبد بذاته أو شخصه، ومعني الظهور: الحضور بأي شكل فى أمر الإدارة، ولايشترط فيه العلانية للكبير والصغير، وإن كان ذلك ممدوحا في الظروف العادية، وأما الاستحسان والتلذذ والخروج عن القاعدة الثابتة فهو أمر مرذول ومذموم، بأن تكون الإدارة في الخفاء تماما لايطلع عليها أحد إلا من شاءت، وأقصد بالخفاء هنا: الخفاء من كل وجه، فلا يعرف له مكان، أو حي أو ميت، وتأتي القرارات ولا يعرف من أصدرها، وهنا تلعب العواطف دورها في الاتباع بلا علم وفقه، فترضي بالاستحسان المذموم، وتقدمه على القياس المطلوب الممدوح، وإذا خافت الجماعة أو الأمة أو الدولة على بعض أفرادها من الظهور في أمر الإدارة لعلة مناسبة، وجب عليها أن تختار من يمكنه الوجود حتى يتحقق المطلوب، العاطفة أوردتنا المهالك، وأنستنا شرع ربنا، وجعلتنا تابعين لأشخاص لا لمؤسسة.

ومن أشنع أنواع الاستحسان: صنع الإدارات الموازية غير المنتخبة التي تصادف الهوى والمزاج، وتقديمها على الإدارات المنتخبة التي تمثل القياس – القاعدة العامة – وهو ما يعرف بالشللية المزاجية في الإدارة، أو أخذ الرأي من غير المتخصصين الفنيين، والاعتماد في الملفات المهمة على الأقربين، وهذا مخالف لقيم علم الإدرة ومبادئها، والله سبحانه وتعالى قال: ” وأمرهم شورى بينهم…” وانظر إلي كلمة ” بينهم ” في الآية تجد دلالتها واضحة على أن أمر الشورى يكون من ذوى الرأى والمشورة، وهذا هو القياس، أما الخروج بالتشاور فيمن ليس بينهم أي ليسوا منتخبين للشورى يكون استحسانا بالهوى والتشهي والتلذذ مع من يحب ويهوي، وهو مخالف لصريح منطوق الآية وظاهر دلالتها، فإذا أردت أن تستشير فليكم من أهل الشورى، وليس من غيرهم، أما اختلاق شورى وهمية لإنتاج قرارات صورية فهى الحالقة والمهلكة، التي لا تحلق الشعر، وإنما تحلق الجماعات والأمم.

وأخيرا أقول:
العمل بالقواعد العامة – القياس – لكل علم من العلوم من فقه أو أصول أو حديث أو تفسير أو نحو أو صرف أو بلاغة أو زراعة أو صناعة أو تجارة أو إدارة أو سباكة أو نجارة أمر لازم وحتمي، والخروج عن القياس يكون من باب الاستثناء، ولا يجوز إلا بدليل فيما يحتاج الدليل، أو بتحقيق مصلحة عامة كلية حقيقية لمن لا يطلب فيه الدليل، ولا يصح التوسع فى الاستحسان حتي ولو صح دليله، لأنه خارج عن القاعدة العامة، وأما الخروج عن القياس بغير دليل فهو الاستحسان الهوى والتشهي والتلذذ الباطل.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

جمال سلطان يكتب : هل تنكد الحكومة على الشعب ليلة العيد؟!

 بوابة القليوبية | مشاركات ومقالات من خلال خبرة المصريين مع السلطة خلال الأعوام الأخيرة، أصبحت ...