أحمد عابدين يكتب : صهيون على عرش فرعون (2)

بوابة القليوبية_مشاركات ومقالات 

 

في أواخر عام 1970 جرى لقاء بين “دوبي” الضابط بجهاز الموساد الإسرائيلي وشاب مصري طلب التعاون مع دولة الاحتلال، وذلك بعد عدة مكالمات من الأخير يطلب فيها لقاء أحد مسؤولي الموساد في العاصمة البريطانية لندن، وفي بداية اللقاء سأله الضابط الإسرائيلي عن طبيعة المعلومات التي معه، فأخرج “الملاك”، وفق ما أُطلق عليه في جهاز الموساد بعد ذلك، مجموعة من الأوراق وصفها بأنها “عربون ثقة” بين الطرفين”، والتي كانت عبارة عن أمر معركة موجه إلى كامل الجيش المصري تحتوي على تفاصيل التمركزات العسكرية ومواقعها وقادتها ومدى أسلحتها وتُبين بالتفصيل القدرات العسكرية المصرية.

ربما كان هذا اللقاء واحدا من أهم الأحداث في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وبداية لتوغل خطير لدولة الاحتلال داخل عصب مصر، فالرجل الجالس في تلك اللحظة مع مندوب أشد أعداء مصر التي كانت تحتل وقتها مساحات واسعة من الأراضي العربية ومن بينها مصر، كان يشغل منصبا في غاية الحساسية بالنظام المصري، حيث لم يكن أشرف مروان “ملاك إسرائيل” فقط زوج ابنة الرئيس جمال عبد الناصر وأحد معاونيه، وإنما كان أحد أعضاء السكرتاريا الخاصة، والذي شغل لاحقا أحد أهم وأعلى المناصب الحساسة في الدولة وهو مدير مكتب والسكرتير الخاص واليد اليمنى لرئيس الجمهورية التالي أنور السادات.

وبداية من ذلك اللقاء وعلى مدار سنوات طويلة امتلكت المخابرات الإسرائيلية عينا وأذنا داخل أعلى مراكز اتخاذ القرار في مصر، بل ومقعدا في هذا المركز، فرجلها هناك اتخذ طريقه في الصعود داخل نظام الحكم حتى صار جزءا رئيسيا منه، حيث كان مروان أحد الحضور الدائمين في اجتماعات المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وكثيرا ما كان يذهب بصفته ممثلا عن رئيس الجمهورية الذي كان يُرسله بدلا منه لانزعاجه من الصخب وكثرة المناقشات والمداولات في تلك الاجتماعات، كما كان جزءا أساسيا من لقاءات الرئيس الحساسة مع كبار القادة السياسيين والعسكريين المصريين والعرب والسوفييت وغيرهم، مما أعطاه إمكانية رصد وتوثيق كل ما يجري في عقل الدولة المصرية المفكر والمنفذ، وربما المشاركة في ذلك، ونقل كل تلك التفاصيل وغيرها إلى جهاز الموساد.

في كتابه الهام والخطير “الملاك، الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل” يكشف الكاتب يوري بار جوزيف آلاف التفاصيل الدقيقة عن حقيقة أشرف مروان، “الملاك” الذي جعل قلب الدولة المصرية الصلب على مرأى ومسمع من دولة الاحتلال، كما يدحض بالوثائق والشهادات الرواية المصرية عن تلك القصة بأن الملاك كان “وطنيا مُخلصا”، حسب وصف الرئيس المخلوع حسني مبارك، ولا عميلا مزدوجا بأمر ومعرفة الرئيس السادات لتغذية العدو بمعلومات خاطئة وفق ما يُشاع في الاعلام المصري، وذلك بناء على بعض النقاط أهمها أن الاتصال الأول لمروان بالسفارة الإسرائيلية في لندن قد جرى في أواخر عهد جمال عبد الناصر وليس مع بداية حكم السادات كما يُشاع، وأن تشغيل عملاء مزدوجين هو عمل في غاية الصعوبة والتعقيد ولا يستطيع القيام به سوى أقوى وكالات التجسس في العالم، ولذا فقد امتنع الموساد عن القيام بها كليا، كما أنه في حالة لجوء مصر لتجنيد عميل مزدوج لأرسلت شخصا أقل أهمية من مروان الذي كانت حساسية منصبه ومكانته تُبعدان تلك الفكرة.

أما الأكثر أهمية من كل ذلك فهو أن طريقة اشتغال العميل المزدوج تقوم على تقديم معلومات حقيقية معروفة مسبقا للطرف الآخر أو يمكن التأكد من صحتها، على أن تكون من النوع الذي سيبطل مفعوله سريعا ولا تمثل خطورة حقيقية على الأوضاع العسكرية، أما ما قدمه مروان للصهاينة فكانت معلومات في غاية الدقة والحساسية والتوثيق وعالية القيمة، كما أن بعض تلك المعلومات التي يتم الترويج لها لتأكيد الرواية المصرية مثل إنه أعطى إسرائيل موعدا خاطئا لبدء حرب العبور نفت نفسها وأكدت رواية بار جوزيف، حيث بات من المعلوم أن موعد بدء الحرب الذي أبلغه مروان للإسرائيليين والذي كان في الساعة السادسة من مساء السادس من أكتوبر كان هو الموعد المُحدد بالفعل وتم تقديمه أربع ساعات للتوفيق بين القيادتين العسكريتين في مصر وسوريا في اللحظات الأخيرة، ولم يكن لأحد دور في عدم وصول تعديل المعلومة للجانب الإسرائيلي سوى الصدفة، كل ذلك بجانب عدم تقديم أو إظهار أجهزة المخابرات المصرية أية وثائق تنفي ذلك، رغم العديد من المطالبات.

تحمل قصة أشرف مروان الكثير من المعلومات والتفاصيل الدقيقة والحساسة خلال أشد الفترات الزمنية حساسية في مصر، حيث عمل مروان بكل طاقته لسنوات على إمداد العدو بكل المعلومات والتفاصيل الدقيقة والحساسة والانطباعات عن الأوضاع داخل مطبخ السياسة والعسكرية المصرية، وعن كل شخص فيها، ولكنها أيضا تُعطينا الإجابة على سؤال طرحناه في المقال السابق حول مدى إمكانية وصول أحد رجال إسرائيل إلى سدة الحكم في مصر، حيث إن الرجل كان الذراع الأيمن لرئيس الجمهورية وبوابة الدخول إليه، وربما تتضح لنا أهمية وخطورة منصب مدير مكتب رئيس الجمهورية الآن وفق ما نراه اليوم ممن يشغل هذا المنصب حاليا، ولكن لماذا أقدم مروان على تلك الخطيئة؟ فقصته تختلف كثيرا عن قصة إيلي كوهين التي أوردناها في المقال السابق، فكوهين كان يهوديا مُخلصا لدولة الاحتلال الصهيوني تم زرعه بطريقة احترافية داخل النظام السوري، أما مروان فهو شاب مصري ولد وتربى داخل بيت أحد ضباط وقادة القوات المسلحة، حيث كان أبوه اللواء أبو الوفا مروان مدير سلاح الحرب الكيماوية، وكان هو صهر الزعيم العربي الأشهر وأقوى أعداء إسرائيل تاريخيا؟

تُجيب على هذا السؤال الأبحاث والدراسات الاستخباراتية، وفق ما يُلخصه الكتاب، من أنه كان من المتعارف عليه أن هناك ستة أسباب وراء إقدام أشخاص في عز نجاحهم المهني في الجيش أو الاستخبارات على العمل لحساب أعداء بلادهم، وهي: الإيديولوجيا، المال، الغرور، الابتزاز، الإغواء الجنسي، والانتماء المزدوج لبلد المنشأ أو الانتماء الإثني القوي، وربما كان خليطا من بعض هؤلاء، ثم أثبتت التجارب أن تلك الأسباب تتغير بمرور الوقت وتخضع في أغلب الأحيان إلى السلوك والأنماط الشخصية للعميل نفسه، ففي حالة مروان كان هناك خليط بين الرغبة في الحصول على المال الكثير والغرور للقيام بمهام خطيرة يرى أن قدراته تستحق القيام بها، وهما ما لم يستطع مروان الحصول عليهما في مكانه أول الأمر، كما أن هناك أسبابا أخرى قد تدفع البعض للإقدام على تلك الخطيئة مثل النرجسية والإفراط في الطموح والارتكان إلى الطرف الأقوى في أي نزاع أو البحث عن داعم قوي لتعزيز النفوذ الشخصي وتحقيق الطموح على حساب أي شيء وكل شيء، وهو ما تبحث عنه أي قوة في العالم وخاصة إذا كانت تلك الشخصية ذات منصب أو في طريقها للوصول إلى منصب كبير وحساس في الدولة العدو، فتُرحب به أشد ترحيب وتدعمه بكل ما تستطيع من قوة في سبيل خدمات أخرى مماثلة لا تنحصر في الحصول على المعلومات الحساسة وحدها، وإنما لتوجيه نظم الحكم أو خلق أنظمة جديدة -إن أمكن- في تلك الدول للقيام بما يخدم مصالحها، سواء على صعيد السياسات الداخلية أو الخارجية، وفق ما قرأنا في عملية كوهين.

وإذا كانت عملية “الملاك” قد أوضحت قدرة إسرائيل على الوصول إلى هذا المنصب الخطير في مصر منذ أكثر من 40 عاما، فماذا عن الآن؟ وهو ما يُعطينا الإجابة بوضوح على سؤال “هل تستطيع أن توصل أحد رجالها إلى سدة الحكم في مصر الآن”، لننتقل إلى أسئلة أخرى تالية أهم وهي: كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ وماذا سيفعل إذا ما وصل فعلا؟ وهو ما سنحاول البحث فيه من خلال المقالات المقبلة.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

سليم عزوز يكتب: الانتخابات المبكرة.. بين مرسي وأردوغان!

اتخذ الرئيس التركي قرارا بالدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، فترددت أصداؤه في القاهرة! فقد اعتبرت القوى ...