سليم عزوز يكتب: عبد المنعم أبو الفتوح!

بوابة القليوبية_مشاركات ومقالات 

أثارت مقابلة قناة “الجزيرة مباشر” مع المرشح الرئاسي السابق “عبد المنعم أبو الفتوح”، جدلاً واسعاً، لم تحظ به مقابلة الدكتور محمد البرادعي على قناة “العربي”، بعد صمت دام أكثر من أربع سنوات. ولا تزال أصداء الحوار مستمرة حتى لحظة كتابة هذه السطور، وقد تستمر لأيام قادمة!

“البرادعي”، هو صاحب الاسم الأبرز في المشهد السياسي المصري، لاسيما في مرحلة ما بعد الانقلاب، ويملك أسراراً لم يعلن عنها، ولهذا فقد حدث اهتمام بما يمكن أن يقول، منذ أن تم الإعلان عن أنه سيحل ضيفاً على تلفزيون “العربي”، وانصرف المشاهد عنه بعد الحلقة الأولى، لأنه لم يجد على النار هدى، ولأن اللقاء كان فاقداً للهوية، فكان خليطاً بين ” بلا حدود”، و”شاهد على العصر”، واهتم مقدمه بحضور حذائه على الشاشة، أكثر من اهتمامه بطرح أسئلته، فكان حديثاً ميتاً لا روح فيه!

وإذا كان “أحمد طه”، يؤخذ عليه أنه أخذ “عبد المنعم أبو الفتوح” على “كفوف الراحة”، فقد كانت هوية المقابلة واضحة، من حيث كونها حواراً لا مواجهة، ومن حيث أن المستهدف هو طرح الأسئلة في انتظار الإجابات، دون أن يمارس عليه أي ضغط يُذكر، حتى وهو يقول إنه ترك جماعة الإخوان المسلمين في سنة 2009، مع أنه غادرها في 2011، بعد الثورة، وكان قد دفع من داخلها لاتخاذ قرار برفض المنافسة على السلطة، ثم استقال ليخوض الانتخابات الرئاسية، لتكون الأزمة التي دفعت الثورة ثمنها من لحم الحي، ولا تزال تدفعه إلى الآن!

لعل “أبو الفتوح” أول المرشحين الرئاسيين الذين أعلنوا عزمهم الترشح في أول انتخابات رئاسية بعد الثورة، من بين الذين ترشحوا بالفعل بعد ذلك، فكان الدفع بالدكتور “سليم العوا”، من أجل تفتيت أصوات الإسلاميين، للحيلولة بينه وبين الفوز، وإذا كان “العوا” قد دفُع به من قبل المجلس العسكري، فقد كان يقف بعض قادة الإخوان وراء خوضه للانتخابات، وهو الذي كان قد نفى خوضه لها، على أساس أنه فاشل في إدارته لمكتبه المكون من أحد عشر شخصاً، فكيف يدير دولة؟!

من وضع “أبو الفتوح” هدفاً له، عندما وجد “العوا”، أضعف من أن يزاحمه على أصوات الإسلاميين، دفع في اتجاه أن تعدل جماعة الإخوان المسلمين عن قرارها السابق بعدم خوض الانتخابات، وبعد أكثر من تجربة فاشلة، نجح في الأخير في أن يحصل على موافقة متواضعة على خوض الجماعة لها، وربما لم تكن الضغينة وحدها هي التي دفعت لذلك، فلم يكن المجلس العسكري يرغب في فوز شخصية مستقلة نسبياً في هذه الانتخابات، وظني أن “أبو الفتوح” لم يكن بريئاً طول الوقت، فهو ليست شخصية تألف وتؤلف، وبداخله تعالياً يظهر إذا تحدث، ربما لأنه أذكى إخوته، وهو كان يرى نفسه أنه السياسي الوحيد وسط فرقة من الشيوخ في مكتب الإرشاد، وهو إحساس ليس في تاريخه ما يدعمه، فلم يكن مهتماً بالعمل السياسي، أو الحضور في الفعاليات السياسية، ولم يلتحم بالحراك السياسي في مرحلة قبل الثورة، مثل الدكتور عصام العريان، ومحمد البلتاجي، على سبيل المثال، ودوره داخل نقابة الأطباء واتحاد الأطباء العرب، كان في أعمال الإغاثة!

وقد خاض الإخوان الانتخابات البرلمانية قبل الثورة، منذ برلمان سنة 1984، إلى الانتخابات التي أجريت قبل الثورة مباشرة، ولم يقاطعوا سوى انتخابات سنة 1990، فلم يخض “أبو الفتوح” هذه الانتخابات، مكتفياً من الحياة العامة بموقعه النقابي!

لقد أعلن كثير من شباب جماعة الإخوان، عن وقوفهم مع “أبو الفتوح” مرشحاً رئاسياً، فقطعت الجماعة عليهم الطريق، بإعلان ترشيح “خيرت الشاطر” رئيساً، وأخذاً بالأحوط فقد رشحوا الدكتور محمد مرسي، وأسرها “عبد المنعم أبو الفتوح” في نفسه، ورد على “المكايدة”، بمكايدة مثلها، عندما خرج مع المرشحين الرئاسيين “حمدين صباحي”، و”خالد علي” في مظاهرات بميدان التحرير بعد سقوطهم، والهدف هو تعطيل جولة الإعادة، بين “محمد مرسي”، و”أحمد شفيق”، في أداء كشف قمة بؤسهم، فيقضي على المرء في أيام محنته، حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن!

وعندما بدأ الهجوم على الرئيس من قبل معارضيه، كان “عبد المنعم أبو الفتوح” في صفوف المعارضة، وداعياً لانتخابات رئاسية مبكرة، لكن هذه المعارضة كانت تحسبه على الإسلاميين فلم تدعوه لصفوفها، لأن رموزها لديهم خيارهم إذا نجحوا في مهمتهم وكان هذا الخيار هو “حمدين صباحي”، أما البرادعي فقد كان زعيم المغفلين في هذه المرحلة، حيث كان ينتقم لنفسه من ناحية، فضلاً عن أنه كان يظن أنه الخيار الاستراتيجي في المرحلة المقبلة، ولما نجحوا في الانقلاب على الشرعية، فقد تبين أن العسكر يدير الأمر لمصلحتهم، وهم الذين أوعزوا لكل منهما على حدة أنه البديل!

ولم تتسع جبهة الإنقاذ لـ “عبد المنعم أبو الفتوح”، والذي كان ترتيبه الثالث بعد مرشح جماعة الإخوان المسلمين، ومرشح الدولة العميقة، وكثير من الأصوات المدنية انتخبته، ولم ينس أبداً أنه كان يمكن أن يكون هو الرئيس لولا عدول الإخوان عن قرارهم السابق بعدم المنافسة على هذا المنصب، فوقف مع الانقلاب العسكري، وجلس في حضرة المؤقت “عدلي منصور”!

كان ينتقم من ناحية، وربما كان يجمعه الحقد على مرسي مع المعارضة: “فأنى يكون له الملك علينا، ونحن أحق بالملك منه”، فلم يكن “محمد مرسي” له حضور داخل الجماعة بينما ينسب لعبد المنعم أبو الفتوح أنه كان من الذين لهم قدم صدق في عملية البعث الثاني للجماعة بعد المحنة في زمن عبد الناصر!

وتكمن المشكلة، في أن هناك من يتحركون في عدائهم لعبد المنعم أبو الفتوح من هذا الموقف، لذا فقد أقبلوا على مشاهدة حواره مع “الجزيرة مباشر”، من هنا، فكان طبيعياً أن يهاجموه بينما لم تنته المقابلة، وقرأنا سباً وقذفاً، ولم نشاهد نقداً موضوعياً لما قال!

الدافع المعلن للهجوم هو أن “عبد المنعم أبو الفتوح”، لم ينحاز للديمقراطية ولما أسفرت عنه من فوز الدكتور محمد مرسي بإرادة الشعب، كما أنه وقف مع الانقلاب وما ارتكبه من مجازر، فنحن في مواجهة قميص عثمان!

كثير ممن يتحدثون باسم الديمقراطية الآن، لم يكن لهم أن يفعلوا لولا أنها تصب في مصلحة مرشحهم، بمعنى لو أن الانقلاب العسكري كان ضد رئيس غير الدكتور محمد مرسي لما تحركوا ليدافعوا عن شرعية الصناديق، وعندما حدث الانقلاب العسكري في سنة 1952، أيده الإخوان، كما أيدوا إلغاء الأحزاب، وعدم عودة الحياة النيابية، وإقامة المحاكم الاستثنائية، لأنه كان انقلاباً على حزب الأغلبية الجماهيرية، وهو حزب الوفد!

كما أن أول الدماء لم تكن في “رابعة”، وأول مجازر العسكر لم تبدأ بإعلان الانقلاب العسكري، فمجازرهم سابقة، ولم تكن الدماء المراقة محرضا لهؤلاء على أن يتخذوا موقفاً ضد من أراقها!

و”عبد المنعم أبو الفتوح”، وإن أسس حزباً ليبرالياً، فهو ليس ابن المدرسة الليبرالية، ولكنه من ذات المدرسة الدينية التقليدية، التي تنتج من يمارسون السياسة على حرف، فيتحدثون عن الديمقراطية إن كانت تخدم أهدافهم الخاصة، ثم يتنكرون لقيمها إذا كان في تغييبها ما يخدم هذه الأهداف!
فليس ليبرالياً كعمرو حمزاوي مثلاً، الذي بدأ مشواره مع جبهة الإنقاذ، عندما كانت تمثل المعارضة السياسية لحكم الإخوان، ثم رفض الانقلاب على قيم الديمقراطية، ولم يشارك في مظاهرات 30 يونيو، وسمى الأشياء بأسمائها وقال مبكراً، هذا انقلاب عسكري!

لقد كشفت مقابلة “عبد المنعم أبو الفتوح” عن أن حالة الاستقطاب قائمة وبحدة إلى الآن، فلم ينظر كثير من المشاهدين إلى أهمية ما قاله، ومثل شجاعة له، لاسيما أنه سيعود إلى القاهرة بعد المقابلة، ولا يوجد لدى عبد الفتاح السيسي أحداً فوق التنكيل، والذي يعد السجن أهون ما فيه، لأنه يدير الدولة بمنطق العصابات، حيث يعتمد الاختطاف والاعتداء البدني أسلوباً في الانتقام، كما حدث مع المستشار هشام جنينة، وكما حدث أيضاً مع رئيس أركان الجيش المصري سابقاً الفريق سامي عنان!

ومما قاله إن السيسي عصف برئيس منتخب واختطفه ووضعه في السجن، وأنه شارك في يوم 30 يونيو 2013، لأنها كانت مظاهرات شعبية تستهدف الضغط على الرئيس المنتخب لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وأن 3 يوليو انقلاب عسكري لا علاقة له بهذه المظاهرات. ومما قاله أيضاً أن ما يحدث مع الرئيس المنتخب لا يليق، وأن اتهام مرسي بالتخابر مع قطر عيب!

لن يشفع له موقفه المعارض للسيسي، ولن يغفر له القوم إن خرج في مظاهرات وهتف: “مرسي رئيس ومعاه الشرعية”، وقد أعلن حازم عبد العظيم من قبل أنه نادم على خروجه في 30 يونيو، وأنه يدين مجازر السيسي، فكان الرد عليه: ماذا يفيد الندم الآن!

ليس لأحد أن يزايد علي، فرفضي لحكم العسكر كان مبكراً، ومنذ أن كانت القوى المدنية والإسلامية تذهب إلى لقاء القوم محلقين ومقصرين، كما أني رفضت الدعوة لـ 30 يونيو، كما رفضت فكرة الانتخابات الرئاسية المبكرة، ومن على أرضية المعارضة للرئيس وجماعته، بيد أني أرى أنه هذا الاندفاع في الهجوم على “عبد المنعم أبو الفتوح” لن يخدم قضية الثورة، والإطاحة بالحكم العسكري، وكثير من الهجوم باعثه تنظيمياً صرفاً!

فيُهاجم “عبد المنعم أبو الفتوح” مع شجاعته، ويتم غض الطرف عن صمت رئيس مجلس الشورى “أحمد فهمي” المهين، لأن الأول خرج من التنظيم، والثاني لا يزال فيه، فليست قيم الديمقراطية، هي من تدفع النائحات للدفاع عنها!

فكل يدعي وصلاً بليلى، وليلى – ولا مؤاخذة – في العراق مريضة!

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

سليم عزوز يكتب: الرعاة الرسميون للانقلاب

بوابة القليوبية 18 يوليو 2018 لا قيمة لاعتراف “خافيير سولانا” بعلمهم (الناتو) المسبق بالانقلاب في ...