حسن أبو هنية يكتب : ما وراء العملية العسكرية الشاملة في سيناء؟

بوابة القليوبية_مشاركات ومقالات 

 

في زمن العولمة وسياسات ما بعد الحقيقة، يصعب هضم الأكاذيب والترهات، لكن مع ذلك يعاد صياغتها وتنميقها على الجمهور في تكرار ممل، فما بعد الحقيقة هو الكذب عينه بعد تغليفه بهالة من العظمة الزائفة. تلك هي خلاصة “العملية الشاملة سيناء2018” التي أعلن عنها المتحدث باسم الجيش المصري في 9 شباط/ فبراير 2018، لبدء خطة مجابهة شاملة مع العناصر الإرهابية في سيناء.

ولا يحتاج المرء إلى تبصر عميق لإدراك حقيقة العملية التي تقع في إطار تأمين سلس لولاية جديدة للرئيس السيسي، عبر بوابة المشروع الأمريكي وترتيبات “صفقة القرن” التي تقوم على تصفية القضية الفلسطينية، وإدماج إسرائيل في المنطقة؛ من خلال تأسيس تحالف بين الإمبريالية الأمريكية والدكتاتوريات العريية والاحتلال الإسرائيلي، تحت ذريعة مواجهة الخطر المشترك المتمثل بالمنظمات “الإرهابية” و”إيران”، حيث تهدف العملية إلى إخلاء أجزاء حيوية من سيناء وخنق حركة حماس في غزة.

لا جدال بين الخبراء في أن مصر تواجه خطرا إرهابويا منخفض الشدة؛ تقوده جماعات جهادية متعددة الانتماءات الأيديولوجية السلفية، وفي مقدمتها ولاية سيناء التايعة لتنظيم الدولة الإسلامية، ومجموعة من الحركات التي تتبع القاعدة (كجند الإسلام وأنصار الإسلام والمرابطون)، وحركات ثورية تستلهم العقيدة الإخوانية القطبية (كحركة سواعد مصر – حسم ولواء الثورة)، وهي حركات لا تتجاوز أعدادها ألف عنصر، ولا تسيطر على فضاءات جغرافية ولا تمتلك جيوشا جرارة؛ تعتمد نمط الحروب الكلاسيكية، وإنما تتبع تقاليد حرب المغاوير والعصابات، الأمر الذي يكشف عن خلل المقاربة العسكرية المصرية ويفضح توجهاتها الاستراتيجية.

إن حالة التمرد منخفض الشدة لا تتطلب عملية عسكرية شاملة جوية وبرية وبحرية، وكأن مصر تواجه غزوا تقوده دولة إمبراطرية، ولا يتطلب الأمر سوى اتباع تكتيكات مكافحة التمرد التي تعتمد على العمل الاستخباري والقوات الحاصة بمكافحة الإرهاب. لكن معظم الدراسات تؤكد على خلل الاستراتيجية العسكرية المصرية وتشكك في نتائجها. فقد ذهبت دراسة إسرائيلية لمعهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب، أعدها الباحث “أوفير ونتر”، إلى أن تحسين الوضع الأمني في سيناء في مواجهة تنظيم “الدولة” وتنظيمات أخرى سلفية؛ يلزم القاهرة بالتغلب على التحديات المتعلقة بالانتقال من استراتيجية “مكافحة الإرهاب” إلى استراتيجية “مكافحة التمرد”، فأحد المسائل الإشكالية في موضوعة “حرب الإرهاب” في مصر هي غياب المصداقية والشفافية. فرغم أن السلطات المصرية أشارت في مرات عديدة أن تنظيم ولاية سيناء يتكون من بضعة مئات، وهو رقم يتطابق مع تقديرات استخبارية أمريكية (600 – 1000)، إلا أنها أعلنت عن مقتل الآلاف من الإرهابيين، ففي سياق التفاخر بإنجازات الجيش بعد الإعلان عن انطلاق “عملية حق الشهيد” في أيلول/ سبتمبر 2015، أشار الجيش المصري بعد مرور عام إلى أنه تمكن من قتل 2529 والقبض على 2481 آخرين، وبحسب مصادر أخرى تتحدث عن قتل 5000 واعتقال أكثر من 5500.

إن الحملة الإعلامية الاستعراضية للقوات المسلحة المصرية التي رافقت انطلاق أولى عمليات ما أسمته “العملية الشاملة سيناء 2018″، تتجاوز “حرب الإرهاب” إلى خلق حالة من الخوف والترهيب؛ تهدف إلى إسكات المعارضين السياسيين والحقوقيين، وصناعة رأي عام شعبوي “فاشي” لعبادة “الجيش” وقائده “الملهم” الذي طالب الشعب بتفويض ثان لمواجهة “الأشرار”. وهذه العملية العسكرية الاستعراضية تقطع الطريق عن أي معارضة لتجديد انتخاب السيسي لولاية ثانية، حيث ستفضي إلى الإعلان عن هزيمة منكرة لقوى “الإرهاب” المفترض قبل حلول موعد الانتخابات الرئاسية القادمة، وهي تتزامن مع نهاية أسطورة “خلافة” تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، والإعلانات الدولية عن هزيمته، حيث يسعى السيسي إلى ربط اسمه بحديث النهايات، لكن المفارقة أن ولاية سيناء التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية لم تعلن ابتداء عن تأسيس إمارة، ولم تدع أنها تفرض سيطرة مكانية في سيناء. وهي تخوض منذ تأسيسها “حرب عصابات”، ولا تعمل كدولة، بل كمنظمة ،كما هو حال تنظيم الدولة الإسلامية في حقبة ما بعد أفول “الخلافة”.

لعل من يستمع إلى البيان العسكري الأول للعملية الشاملة؛ يُخيل إليه أن ثمة عدوا إمبراطوريا فضائيا يغزو مصر، والذي تزامن مع الإغلاق المفاجئ لمعبر رفح. فبحسب البيان الرسمي قامت قوات جوية مصرية باستهداف لمخازن سلاح بشمال ووسط سيناء، بالإضافة لتشديد إجراءات التأمين من قبل القوات البحرية وحرس الحدود، وتأمين المناطق الحيوية من قبل قوات الجيش والشرطة. وكانت القوات المسلحة قد أعلنت عبر الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري صباح الجمعة؛ عن انطلاق “العملية الشاملة سيناء” التي تهدف للقضاء على الإرهاب بشمال ووسط سيناء والصحراء الغربية ومناطق بدلتا مصر. وقال المتحدث في البيان الأول للعملية إنها ستهدف أيضاً بالتوازي لـ”مجابهة الجرائم الأخرى ذات التأثير على الأمن والاستقرار الداخلي، كما حث المواطنين على التعاون مع قوات الأمن والإبلاغ عن “أي عناصر تهدد أمن واستقرار الوطن”.

ومن جانبها، أعلنت وزارة الداخلية عن رفع درجة الاستعداد الأمني القصوى في جميع المحافظات، وتعزيز تأمين المناطق المحيطة بالمنشآت الحيوية. وتضمنت الإجراءات الأمنية المشددة حملات أمنية على الجزر النيلية والمناطق النائية؛ للقضاء على بؤر الإرهاب، وتكثيف الأكمنة داخل المحافظات وعلى الطرق. ولاستكمال الحالة الاستعراضية للغزو الإمبراطوري الفضائي المتخيل، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي بعد إعلان بدء العملية، من خلال حسابه الرسمي على موقع تويتر: “أتابع بفخر بطولات أبنائى من القوات المسلحة والشرطة لتطهير أرض مصر الغالية من العناصر الإرهابية أعداء الحياة.. ودائماً تحيا مصر”. وكان السيسي قد أمر في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2017؛ رئيس أركان الجيش الفريق محمد فريد حجازي، باستخدام “القوة الغاشمة” لتأمين شبه جزيرة سيناء. وقال في كلمة بحفل بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي: “أنتهز هذه الفرصة، وأُلزم الفريق محمد فريد حجازي أمامكم وأمام الشعب المصري كله.. أنت مسؤول عن استعادة الأمن والاستقرار في سيناء خلال ثلاثة شهور”.

لا جدال أن العملية العسكرية الشاملة تندرج في إطار مشروع “صفقة القرن” الأمريكي؛ الذي يعيد إنتاج دكتاتورية عسكرية بزعامة السيسي لحكم ومصر، يضمن استدخال “إسرائيل” في المنطقة، وينتهي بتصفية القضية الفلسطينية. وقد ظهر مصطلح “صفقة القرن” للمرة الأولى على لسان الرئيس المصري عند حديثه إلى نظيره الأمريكي ترامب، أثناء زيارة السيسي إلى واشنطن في نيسان/ أبريل 2017، عندما قال نصاً: “ستجدني داعماً لأي مساعٍ لإيجاد حل للقضية الفلسطينية في صفقة القرن، ومتأكد أنك تستطيع حلها”. فرد ترامب: “سنفعل ذلك سوياً، وستمتد صداقتنا طويلاً، وسنحارب الإرهاب سوياً”. وبهذا، فإن تثبيت ولاية جديدة للسيسي لاستمرار صداقة طويلة عبر مدخل “حرب الإرهاب” يمثل الخطوة الرئيسية الأولى للدخول في أفق صفقة القرن.

منذ الانقلاب العسكري في مصر 2013، والذي جاء تحت شعار “حرب الإرهاب”، لم يكن فشل الحملات العسكرية ضد “الإرهاب” في سيناء مفهوما، حتى ظهور مشروع “صفقة القرن”، حيث كشفت التسريبات عن خطة لتفريغ أجزاء من سيناء من سكانها بذريعة الحرب على الإرهاب، وهو ما كان يبدو متناقضا مع أبجديات “مكافحة التمرد”، ومحيرا لكافة الخبراء. فقد خلقت الحملة العنيفة التي يقودها الجيش في سيناء انطباعا يذكر بنهج الحروب الكلاسيكية وتكتيكات الأرض المحروقة ضد دولة معادية. ففي إطار حملة الجيش النظامي على سيناء، التي بدأت في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2014، جرى تهجير أكثر من 1165 أسرة قسريا، وتم تدمير أكثر من 800 منزل في المناطق المجاورة لقطاع غزة، حيث جرى التعامل مع أهل سيناء كإرهابيين مفترضين وأعداء محتملين. وقد تنامت المطالبة بإخلاء سيناء من السكان عقب المجزرة البشعة التي استهدفت مصلين في مسجد الروضة غربي مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء، أثناء أداء صلاة الجمعة في 24 تشرين ثاني/ نوفمبر 2017، وأسفرت عن مقتل أكثر من 300 شخص، وهو هجوم لم تتبنه أي جهة إرهابية. ويجري تنفيذ خطة الإخلاء بالتعاون مع إسرائيل بذريعة حرب الإرهاب. وكانت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، قد كشفت في 3 شباط/ فبراير 2018؛ عن قيام الطيران الإسرائيلي بأكثر من 100 علمية عسكرية داخل سيناء، بموافقة السيسي.

يشكل إخلاء سيناء أحد أركان مشروع “صفقة القرن”. فبحسب المقاربة، فإن مصر سوف تتنازل عن الأراضي في سيناء للفلسطينيين وليس لـ”إسرائيل”، وذلك بتبادل أرض مقابل أرض تسمح لمصر بتواصل جغرافي مع الأردن عبر نفق طوله 10 كلم؛ يربط البلدين بالخليج ويخضع للسيادة المصرية، وخلق حركة اقتصادية ضخمة من النفق ستنشأ عبر شبكة حديد وطريق سريع وأنبوب نفط يمتد نحو ميناء غزة الكبرى، مما يحقق عائدا ماليا جمركيا ضخما لمصر، مع إغراء إسرائيلي لمصر بتشجيع المنظومة الدولية على ضخ استثمارات هائلة فيها، ومنها تنقية المياه، وستوافق “إسرائيل” على إجراء تغييرات محددة في الملحق العسكري من اتفاقية كامب ديفد.

أحد المسائل المحيرة هو دور حركة “حماس” في “صفقة القرن” التي تبدو أنها تقع في شباكها، رغم إعلانها أنها ستعمل على إفشالها. ففي الوقت الذي أعلن فيه عن العملية العسكرية الشاملة في سيناء، وصل وفد بقيادة رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية إلى القاهرة. من المعروف أن الولايات المتحدة قد صنفته كإرهابي في 31 كانون الثاني/ يناير 2018، إلى جانب ثلاثة تنظيمات، هي “حركة الصابرين” في غزة، و”حركة سواعد مصر ــ حسم”، و”لواء الثورة” في مصر، وهي إجراءات تقع في إطار “صفقة القرن”. فقد بات واضحا أن التصنيفات الإرهابوية الأمريكية تقع في إطار إدماج إسرائيل في المنطقة، من خلال تأسيس تحالف بين الإمبريالية الأمريكية والدكتاتوريات العريية والاحتلال الإسرائيلي. فالتبريرات التي قدمها “منسق شؤون مكافحة الإرهاب” في وزارة الخارجية الأمريكية، ناثان سيلز، أن هذه الكيانات متّهمة بارتكاب أعمال مخلة بالاستقرار، على غرار تقويض عملية السلام واستهداف كبار المسؤولين المصريين وتهريب الأسلحة إلى قطاع غزة. وكذلك ما صرح به وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، من أن هذه الخطوة “تستهدف جماعات وقيادات إرهابية رئيسية، تدعهما وتديرهما إيران، و”تهدد استقرار الشرق الأوسط، وتُضعف عملية السلام، وتهاجم حلفاءنا مصر وإسرائيل”.

خلاصة القول أن “العملية الشاملة سيناء2018” لا تخرج عن ترتيبات المشروع الأمريكي الإسرائيلي المتعلق بـ”صفقة القرن”، والذي يتخذ من موضوعة “الحرب على الإرهاب” ذريعة لتمرير مخططات الشرق الأوسط الجديد، بتصفية القضية الفلسطينية، وإدماج إسرائيل في المنطقة؛ من خلال تأسيس تحالف بين الإمبريالية الأمريكية والدكتاتوريات العريية والاحتلال الإسرائيلي، تحت ذريعة مواجهة الخطر المشترك المتمثل بالمنظمات “الإرهابية” و”إيران”، حيث تهدف العملية العسكرية المصرية الشاملة إلى إخلاء أجزاء حيوية من سيناء، وإجبار حركة حماس في غزة على الدخول في مصالحة مع السلطة الفلسطينية؛ تفضي إلى خلق واقع جديد بعد ترتيبات تبادل الأراضي، وهي خطة يصعب تنفيذها ورعايتها دون تأمين ولاية جديدة تحافظ على بقاء الرئيس السيسي على رأس السلطة في مصر.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

مصطفى جاويش يكتب: الصحة في مصر.. بين قسم الطبيب وقسم الوزيرة

بوابة القليوبية 22 يوليو 2018 شهدت الساحة المصرية زخما شديدا ما زال مستمرا؛ منذ أن ...