رضا حمودة يكتب: عصر ملوك الطوائف.. عندما يعيد التاريخ نفسه

351552

بوابة القليوبية 12 يناير 2018

تعيش الأمة العربية والإسلامية وضعاً مشابهاً إلى حد كبير لعصر ملوك الطوائف في الأندلس قبيل سقوطها؛ تلك الفترة التي أعقبت سقوط الدولة الأموية هناك، فتمزقت وحدة الدولة الأندلسية ككيان واحد متماسك إلى كيانات وإمارات ودويلات متناحرة، يوالى ملوكها العدو من أجل البقاء على العرش حتى سقطوا جميعاً على يد من والوهم ودخلوا تحت طاعتهم يوماً ما, أو هكذا ظنوا بكل غباء. وكانت أوضاع تلك الدويلات المنقسمة على نفسها أصلاً في غاية السوء؛ من نزاعات داخلية فضلاً عن صراعات بين الإخوة أنفسهم فيما بينهم.

لم ينشغل ملوك الطوائف إلا بحياة الترف الدنيوي والإسراف في أموال رعيتهم بالباطل يميناً ويساراً، في مقابل القعود عن الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الدين والأرض، وهو الوضع المشابه للوضع العربي إلى حد كبير ما بعد سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، وتوزيع تركة الدولة العثمانية حيث تم تقسيم الوطن العربي في قارتي آسيا وإفريقيا إلى دويلات وحدود ملتهبة حتى يسهل السيطرة عليها بعد اتفاقية ” سايكس بيكو” عام 1916 قبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى، عبر اثارة الحروب والنزاعات فيما بينها لقطع أي طريق للوحدة والاتحاد.

وللمفارقة المثيرة أن إمارات الأندلس المتناحرة كانت 22 إماراة كعدد الدول العربية الآن؛ وكأن التاريخ يعيد نفسه لكن دون أن نتعلم منه شيئاً حتى لكأننا ما تعلمنا من التاريخ إلا عدم التعلم منه.

في الأندلس استعان بعض ملوك الطوائف بنصارى أسبانيا المتربصين على الحدود ضد إخوتهم في الدين واللغة والدم، وبالأمس القريب طعن ملوك طوائف اليوم, الشقيقة العراق مرتين؛ الأولى عندما دخلوها منقادين تحت قيادة التحالف الدولي بقيادة ولي النعمة الأمريكي بعد اجتياح العراق للكويت عام 1991، والثانية بعد تآمرهم مع حليفهم المحتل الأمريكي أيضاً على ما تبقى من العراق حينما اجتاحها بهمجية وأعادها لعصور ما قبل التاريخ في مارس 2003، فسقطت حضارة بلاد الرافدين بمباركة وخيانة الإخوة الأعداء. واليوم يشنون حملة شيطنة ضد السودان الشقيق عقاباً له على تقاربه الأخير مع تركيا عبر اتفاقيات اقتصادية أبرزها حق إدارة جزيرة ” سواكن” على البحر الأحمر، حتى وصل الأمر إلى حشد عسكري مصري إماراتي في قاعدة ” ساوا” الاريترية الحدودية مع السودان.

في الأندلس؛ تحالف بعض ملوك الطوائف مع نصارى الإسبان وارتضوا أن يدفعوا الجزية وهم صاغرون لألفونسو السادس؛ ملك قشتالة, ليأمنوا غدره وهو الغادر بهم لا محالة عاجلاً أو آجلاً ، واليوم يدفع بعض ملوك الطوائف الجزية لكفيلهم “دونالد ترامب” خوفاً وطمعاً في الرضا السامي الأمريكي والصهيوني من أجل شراء العرش ولو على أنقاض شعوبهم وأمتهم.

في الأندلس شارك بعض ملوك الطوائف العدو في حصار إخوتهم، واليوم تتحالف مصر الكبرى مع العدو الصهيوني في حصار وتجويع إخواننا في قطاع غزة منذ عام 2007 بحجة محاربة التطرف والارهاب، وعقاباً للشعب الفلسطيني على اختيار من يمثله بنزاهة وديمقراطية، حتى أن بعض إمارات الخليج (السعودية والإمارات والبحرين) وبمعاونة مصر أيضاً ضربوا حصاراً برياً وبحرياً وجوياً على شقيقتهم الصغرى؛ قطر, منتصف العام المنصرم بهدف تركيعها وإخضاعها وضمها قسراً لمعسكرهم.

في الأندلس دفع بعض ملوك الطوائف الأموال الطائلة لقتال أشقائهم في الدين، وهو ما فعلته وتفعله إمارات بن زايد في مصر وليبيا واليمن حتى وصلت أموالهم لحرب المضطهدين المستضعفين المسلمين في شمال مالي وأفريقيا الوسطى.

إن اشارات السقوط وارهاصات الانهيار واضحة لكل ذي عينين، إذ إن المقدمات السيئة تدل على النتائج الأسوأ، ذلك أن الثابت في المعادلة الكونية أن الأيام دول, والعروش زائلة, وكي تبقى في هذا العالم ثابتاً على قدميك، لابد من الأخذ بأسباب البقاء، وطالما أننا نسير عكس الاتجاه دائماً فلا مناص لنا من السقوط المدوي في وقت لن ينفع فيه البكاء كالنساء على ملك لم نحافظ عليه كالرجال, كما قالت والدة “ابن الأحمر”، آخر ملوك الأندلس له عند سقوط آخر معاقلها؛ غرناطة قبل أكثر من خمسة قرون.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

سمير العركي يكتب: السلفية “السعودية” أزمة الاستمرار وضرورة الرحيل

بوابة القليوبية 14 ديسمبر 2018 على مدار عقود تسيدت السلفية “السعودية” الساحة الإسلامية سواء على ...