سنن الانتصار والهزيمة وسنن التمكين والضعف – بقلم: د.على القره داغي

على-القره-داغى-625x330

بوابة القليوبية | مشاركات ومقالات

إن لله تعالى في تدبير هذا الكون وبخاصة فيما يتعلق بالإنسان والأمم، سنناً تتحكم فيها، منها سنن الانتصار والهزيمة، وسنن التمكين والضعف، ونحو ذلك، تطبق هذه السنن على الجميع، وإن من السنن التي يجب على المسلمين أن يتأملوها ويأخذوا بما فيها من عبر وعظات أربع سنن، هي:

الأولى: إن الانتصار مع الوحدة، وإن الهزيمة مع التفرق.

هناك تلازم بين الانتصار والوحدة والتآلف والتماسك والتكاتف، فحيث وجدت الوحدة وتماسك المجتمع وتناصح وتناصر، كانت الانتصارات تترى عليها دون توقف، كما أن هناك تلازماً بين التفرق والهزيمة، فحيث تفرقت الأمة وتخاذلت وضعفت واستكانت، كان الفشل حليفها، وهذا ما أكد عليه القرآن الكريم في أكثر من آية، يقول الله تعالى: { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ }، وقال تعالى: { حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ }.

ولقد سمى الله تعالى التفرق كفراً ولا سيما إذا استشرى الاختلاف وكثر التنازع على مستوى الأصول، وأدى الأمر إلى التناحر والتدابر والاقتتال، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} فطاعة فئة من اليهود والنصارى تدخل المسلم في دائرة الكفر، وإن كان دون كفر العقيدة، { وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } خطاب للمؤمنين، لا يجوز للمؤمنين أن يختلفوا وهم يتلون كتاب الله تعالى ويتدبرون آياته الداعية إلى التوحيد، وفيهم رسوله صلى الله عليه وسلم الآمر بالتوحيد ونبذ الخلاف.

وهذا ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في وصاياه التي ودع الأمة بها في خطبة حجة الوداع:” لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض”، وإن الشيطان أيس أن يعبد الله تعالى في الجزيرة العربية، ولكنه رضي بما يفعله العرب في الجزيرة من أعمال دون الكفر العقدي، حيق رضي بالتفرق والتناحر والتشاجر؛ لأن ذلك إذا استمر أدى إلى الكفر العقدي، حيث يتغير الولاء والبراء.

الثانية: سنة الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراء من الأعداء المحاربين المعتدين.

هذه السنة قد انقلبت اليوم، وأصبحت ولاءات الأمة لأعدائها الذين يتربصون بها الدوائر، والذين يكيدون بها ليل نهار، وأصبح براؤها من المسلمين الذي يبنون عليهم الآمال، وما زالوا يتطلعون إلى نجديتهم ويرجون منهم الخير، وهذه السنة هي أمانة الله تعالى في أعناقنا، وقد ضيعناها حين أخلصنا بها لأعدائنا، وهنا قامت قيامة الأمة العربية والإسلامية، النبي صلى الله عليه وسلم يقول:” إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة”.

وبناء على هذه السنة ومقتضياتها فإن ما نشاهده اليوم من تكالب الأعداء علينا، ومن إعلان أمريكي سافرٍ جهاراً نهاراً على مرأى العالم ومسمعه، دون خجل ولا وجل، وبخاصة بعد ان أجرى تشاورات واتصالات مع بعض زعماء العالم العربي، أعلن الرئيس الأمريكي أن القدس هي العاصمة الأبدية لدولة الاحتلال، دون اعتبار لمشاعر أي مسلم أو عربي، ولو علم أن الأمة الإسلامية والعربية ستهب لنجدة الأقدس، وستقاطع على سبيل المثال أمريكيا ومن يقف في خندقها اقتصادياً لما أقدم على هذا الإعلان، ولكنه يعلم علم اليقين أن الأمة الإسلامية وبخاصة العرب في سبات عميق، يلهيهم الأمة، ويطغيهم المال، ويشغلهم الحقد والحسد والكراهية، ويمكن التلاعب بعواطفهم من خلال تبرير وهمي يكون بمثابة تخدير موضعي لهم يقوم بذلك بعض ساسة الغرب، من خلال إبراز دور مخيف لدول الجوار.

الثالثة: النجاح في الدنيا حليف لمن أعد نفسه واستعد وخطط ونظم.

إن المسلمون نجحوا في كافة الأصعدة في مراحل التاريخ السابق، بعد الاعتماد على الله تعالى، وحين عملوا وأعدوا ما استطاعوا من قوة وعتاد، وحين استعدوا لكل مواجهة بما يناسبها من سلاح وذخيرة وعلم ومعرفة، وحين خططوا ونظموا مجالات حياتهم، حتى أشرقت شمس المسلمين بالنور والمعرفة على ربوع أوروبا، فاستنارت بها وأخذت منها حظاً وافراً من الحضارة.

ولما تخلى المسلمون عن الاستعداد المادي والمعنوي، وهجرت الاعتماد على الله تعالى، واعتمدت على القوى الخارجية، والعوامل الدنيوية فقط، مُنِيت بالهزائم تلو الهزيمة، حتى في عصر النبوة والرسالة، ففي غزوة أحد، حين لم يلتزم الرماة بوصايا النبي صلى الله عليه وسلم، وبرحوا أماكنهم، و نزلوا إلى ساحة المعركة يجمعون الغنائم، التف عليهم المشركون من خلفهم، وأعملوا فيهم سيوفهم، وأشرعوا نحو صدورهم رماحهم، وكانت النتيجة المحزنة أن استشهد 70 من خيرة الصحابة، وعلى رأسهم عم النبي صلى الله عليه وسلم حمزة رضي الله عن الجميع.

وفي يوم حنين، حين ترك المسلمون الاعتماد على الله تعالى واعتمدوا على قوتهم، وغرتهم جموعهم، وقالوا:” لن نغلب اليوم من قلة”، لقنهم الله درساً في الاعتماد على الله تعالى، وعبراً في التخطيط والتنظيم، فلم تغنِ عنهم قوتهم شيئاً، وفروا هاربين إلا ثلة صامدة مع النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي ذلك عبرة جديرة بالإشارة إليها، وهي إن وجود الصالحين فينا وكثرة عباداتنا مع الإهمال لعوامل النصر والتمكين لن تجعل الغلبة في صفنا، وإنما يقربنا ذلك من تحقيق الانتصار، ولكنه لن يتحقق بمجرد أداء العبادات، ووجود فئة صالحة.

كيف تنجح أمة عصفت بها الأهواء، وفرَّقتْ ولاءاتها، ووجهتْها إلى غير المسلمين؟، أما مع المسلمين فهناك نيران الحقد موقدة، وعرك وتصادم وتنافر.

الرابعة: وعد الله الحق.

إن الأمة لن تموت، وإن مرت بمراحل الضعف والهوان، وإن الله تعالى تكفل لهذه الأمة بالانتصار في كل ميدان، ولكن بشرط أن تتعظ الأمة بالمصائب التي تنزل بساحتها، وأن تجعل ذلك معراجها إلى الله تعالى، فتقبل عليه وتعلن الخضوع وتتوب إلى الله تعالى، والله سيبدل عسرها يسراً، وذلها عزاً، وهوانها كرامة.

إن ما يجري على الأمة اليوم من الأحداث ليست هي الأولى في تاريخها، بل إن الأمة قاست مثيلاتها سابقاً، ولكن بآليات مختلفة، وإن كانت الأدوات والأهداف هي ذاتها، ولم تتغير.

في بداية القرن الخامس الهجري تمزقت الأمة شر ممزق، حيث ضربت الذلة والمسكنة على الخلافة العباسية في بغداد، واستكان خلفاؤها إلى الشهوات، ولعبت بهم الأهواء، حتى خمدت هيبتها، وزالت قوتها، وظهرت الدول من كل جانب طامعة في الأمة الإسلامية، وتزيد من تمزقها، ظهرت الدولة العبيدية الفاطمية، واستمرت حوالي 200 سنة، وظهرت الدولة البويهية بفكر إسماعيلي مقيت، وقامت دولة السلاجقة، وانتهز الصليبيون هذه الفرصة للانقضاض على الإسلام وأهله، فاحتلوا معظم بلاد الشام، ودخلوا القدس الشريف في 23 / شعبان / 492ه، واستباحوا المدينة أسبوعاً، راح ضحيتها ما يقرب من 60 ألف شهيد ما بين عابد وزاهد وعالم ومسالم، وصمد أهل القدس شهراً ونصفاً، واستنجدوا بالخلافة في بغداد، ولكن الخلافة لم تلق بالاً لنداءاتهم، حتى كتب الشاعر العباسي أبو مظفر الأبيوردي واصفاً تلك الحالة:

فَلَمْ يَبْقَ مِنَّا عَرْصَة ٌ لِلَمراحِمِ

مزجنا دماءً بالدُّموعِ السَّواجمِ

إذَا الحَرْبُ شُبَّت نارُها بِالصَّوارِمِ

وَشَرُّ سِلاحِ المَرْءِ دَمْعٌ يُفيِضُهُ

وَقائِعَ يُلْحِقْنَ الذُّرَا بِالمناسِمِ

فَإِيهاً بَني الإسْلامِ إِنَّ وَراءَكُمْ

وعيشٍ كنوَّارِ الخميلة ِ ناعمِ

أَتَهْويمَة ً في ظِلِّ أَمْنٍ وَغِبْطَة ٍ

على هَفَواتٍ أَيْقَظَتْ كُلَّ نائِمِ

وكيفَ تنامُ العينُ ملءَ جفونها

واستمر القدس أسيراً مدة 90 سنة، إلى أن تحرك العلماء من خلال  أربع جبهات:

الأولى: محاربة الأفكار الدخيلة، وعملوا على فضائح الباطنية، والباطنية اليوم هي الأفكار المتطرفة والطائفية، والتي تسمي نفسها بالعلمانية.

الثانية: حاربوا الغزو الثقافي من خلال تهافت الفلاسفة، والفلسفة التي كانت تغطي على ثقافتهم الإسلامية، وهويتهم الدينية.

الثالثة: عالجوا قضية النفوس والأهواء، يقول الغزالي:” مشكلتنا في العالم الإسلامي مشكلة النفوس والقلوب، وليست مشكلة القوة.

الرابعة: عالجوا فكرة قوة الأمة ونهوضها، وقالوا: إن الأمة لن تقوم بالعلم الشرعي وحده، وإنما يتحقق الخير بكل العلوم وبجميعها، فنهلوا منها وأخذوا منها بحظ عظيم.

وأضافوا إلى تلك الجبهات الجهاد بصورته المشرقة لا بالصورة التي شوهها عملاء أمريكا من خلال تنظيمي القاعدة وداعش، وبنوا المدارس التي تخرج صنفين من الناس؛ قادة علماء، وعلماء مجاهدين، وظهر جيل نور الدين الزنكي، ومن بعده صلاح الدين الذي قام بتوحيد الأمة، وقال لمن حوله بعد أن قضى على الدولة الفاطمية:” ننطلق اليوم من التوحيد إلى التحرير ومن الاجتهاد إلى الجهاد”، فكتب الله لهم النصر، وعالجوا هوان الأمة وضعفها.

إذا لم تأخذ الأمة بسنن الله تعالى هذه، سنة الوحدة، وسنة الولاء والبراء، وسنة التغيير، وسنة الإعداد فلن يقوم لها كيات، ولن تقف على ساق، ولا نيأس من روح الله ووعده، ولكن وعده لن يتحقق لنا إلا بشرطين؛ العبودية الشاملة المطلقة لله تعالى والولاء له، وبشرط القوة العلمية والعسكرية والاقتصادية والوحدة.

أراد الله تعالى أن يكون القدس مؤشراً ومعياراً لقوة الأمة وضعفها، فحين تقوى الأمة يكون القدس قلب الأمة قوياً حياً نابضاً، وحين تضعف الأمة بالاختلافات تظهر هذه الاختلافات في ساحات القدس الشريف.

وفي ظل هذه الظروف التي تعصف بالأمة، وأمام هذه المأساة، وأمام هذه الجرأة ، والأمة التي يصل تعدادها إلى مليار وسبعمائة مليون نسمة، والعرب منهم ثلاثمائة مليون، ولكنهم أشغلوا عن وحدتهم التي كادت أن تتحقق في ظل الربيع العربي، وتعامل الغرب مع بعض بني جلدتنا وبأموال المسلمين على إضعافها ووأدها.

الآن من يقف في وجه هذه الفتن التي تحيط بالأمة من كل حدب وصوب، الشعب المصري البطل يرأسها شخص معروف بولائه، والشعب السوري العظيم ممزق ومشرد.

الشعب المصري والسوري إذا اتحدا صمدا في وجه كل عاصفة، تريد الأمة بسوء.

وكذلك الشعب اليمني المعروف بالنجدة والقوة، حيث شُغل بإخماد النيران الداخلية.

والخليج نفسه مشغول بالاختلافات التي تزق صفها وتذهب بهيبتها وتضعف شوكتها، وتقضي على فرص الحوار والجلوس مع بعضهم البعض.

ولا ندري كيف يقبلون بالجلوس مع الصهاينة ويأنسون بهم، ويأبوا الجلوس مع بني جلدتهم، ومن يشاركهم الجغرافيا والدين واللغة.

كيف تنتصر أمة هذا ديدنها.

يقول الشيخ عبد الكريم البخاري:” إن الفتوحات والجهاد شرف لن ينالها إلا من استحقها بفضل الله تعالى”، فليحرص كل فرد فينا على أن ينال شرف ذلك، كل من مكانه وحسب طاقته، عسى الله تعالى أن يقر أعيننا بتحرير القدس وتحقيق العزة والنصر

اللهم أصلح أحوالنا.

نقلا عن موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

محمد طلبة رضوان يكتب: تابوت الإسكندرية… من أين طفحت المجاري؟

بوابة القليوبية 20 يوليو 2018 توثقت العلاقة بعد مناقشة حامية حول الوهابية والتصوف، كنا ثلاثة: ...