ثقافة الداعية وكتب التدبير والتعامل مع القرآن

Screenshot_٢٠١٥-٠٥-٢٠-١٥-٢٠-٤٥

بوابة القليوبية_مشاركات ومقالات

 

واقع معظم المسلمين اليوم مع القرآن مؤرق, وعلاقتهم به يحكمها الهجر والعقوق إلى درجة نخشى معها أن نقول: إن علل الأمم السابقة التي حذر منها القرآن, ونبه إليها الرسول- صلى الله عليه وسلم- تسربت إلى العقل المسلم” (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ) (البقرة: من الآية78)، أي لا يعلمون الكتاب إلا تلاوةً وترتيلاً.

قال ابن تيمية: عن ابن عباس وقتادة في قوله “ومنهم أميون” أي غير عارفين بمعاني الكتاب يعلمونها حفظًا وقراءةً بلا فهم, لا يدرون ما فيها.. وقوله “إلا أماني” أي: تلاوة، لا يعلمون فقه الكتاب, إنما يقتصرون على ما يتلى عليهم.

والأمية العقلية هذه تسود على الأمة في حال التقليد, والغياب الحضاري, والعجز عن تدبر القرآن والتعامل مع الأحداث, واتخاذ المواقف..

إنها الأمية العقلية التي نعيشها اليوم مع القرآن والتي تعني ذهاب العلم على الرغم من تقدم فنون الطبعات, ووسائل النشر, وتقنيات التسجيل.

فعن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي- صلى الله عليه وسلم- شيئًا فقال: وذاك عند ذهاب العلم, قلنا: يا رسول الله كيف يذهب العلم ونحن قرأنا القرآن ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرئون أبناءهم؟ فقال: “ثكلتك أمك يا ابن لبيد, إن كنت لأراك من أفقه رجل في المدينة, أو ليس هذه اليهود والنصارى بأيديهم التوراة والانجيل ولا ينتفعون مما فيها بشيء؟”  (1)

وقد تكون مشكلة المسلمين كلها اليوم في منهج الفهم الموصل إلى التدبر, وكسر الأقفال من على العقول والقلوب, وتجديد الاستجابة, وتحديد وسيلتها, ليكونوا على مستوى القرآن (2)، وقد كتب كثير من العلماء في كيفية التعامل وتدبر القرآن الكريم نقدم منها هذه الكتب:

(1) كيف نتعامل مع القرآن؟

مؤلفه: هو الشيخ الداعية محمد الغزالي (1917- 1996م) من مواليد إيتاي البارود بمحافظة البحيرة بمصر له مؤلفات كثيرة جاوزت الستين كتابًا في مواضيع مختلفة, وهو داعية غني عن التعريف

تأليفه: هذا الكتاب “مدارسة” مع الشيخ الغزالي أجراها الأستاذ عمر عبيد حسنة, يقول الأستاذ عمر: “استجاب مأجورًا للحوار الذي أصر على تسميته “مدارسة”، وأوكل لنا مشكورًا أمر صياغته وقد آثرنا في العرض إبقاء الحوار (المدارسة) مترسلاً على طبيعته، دون تدخل كبير في إعادة الترتيب, آملين أن يتواصل السير, وتأخذ القضايا المطروحة حظها من البحث والمناقشة”.

ويقول الشيخ الغزالي في المقدمة: “وجلست مع الأستاذ/ عمر عبيد نتشاكى تلك الحال, فقال لي: إن للقضية أبعادًا لا يبلغها النظر السطحي, وربما اشتبكت مع مخلفات قديمة من ثقافتنا التقليدية وذكر الأستاذ أمثلة لما يراه موضوع بحث طويل في هذا المجال, وأهاب بي أن أكتب قلت: له وأنا محزون: إنني في هذه الأيام أعجز عن الكتابة, وما عراني من مرض قيد حراكي الأدبي والمادي قال: فلنتدارس الأمر سويًّا, وأتولى أنا الشرح والصياغة, وعلمت أنه سيحمل العبء كله ولم أر بدًا من الاستجابة”.

طباعته: يقع الكتاب في 239 صفحة, وطبعه المعهد العالمي للفكر الإسلامي, ودار الوفاء وله عدة طبعات الأولى 1990م، والخامسة 1997م

موضوعات الكتاب: فيه حوالي (77) موضوعًا. منها: من آثار هجر القرآن- العودة إلى القرآن- دور المناهج التراثية في فهم القرآن والتعامل معه- المدارس القرآنية الحديثة- شمول الرؤية القرآنية- أهمية النظر في الآيات الكونية- التكلف في التعامل مع القرآن- التعامل مع النصوص من خلال واقع التخلف- نصيب الفرد من الخطاب القرآني- الإعجاز العلمي في القرآن- الاستبداد السياسي ووسائل التغيير في الخطاب القرآني- فهم متميز للخطاب القرآني- القرآن والزمن-… وغيرها من الموضوعات.

* مثال: قال تحت عنوان: “تغيير الأفكار والنفوس…. هو الأساس”.

يسأل الأستاذ عمر عبيد حسنة: كثير من الناس يرى أن التغيير المطلوب هو تغيير ثقافي نفسي وأن التغيير الثقافي يستتبع ويؤدي إلى التغيير السياسي- ذلك أن السياسة أحد مظاهر الثقافة- وأن مواطن التغيير الحقيقية والتشكيل الحقيقي في الإنسان هي مواطن التربية والدعوة، وأن الحكم يأتي ثمرة لذلك.. فهم يفكرون بأن الخلل الذي لحق بالأمة, يمكن أن يكون خللاً فكريًّا أو ثقافيًّا وليس سياسيًّا, لأن الخلل السياسي إنما تربع وامتد في إطار الخلل الفكري أو التربوي أو الدعوي الذي شكل القابلية لامتداد الخلل السياسي, والله سبحانه يقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية 11) حبذا لو أعطيتمونا من خلال بعض الآيات نموذج على نهوض الأمم من خلال التغيير الثقافي، وإصلاح عالم الأفكار؟

فأجاب الشيخ الغزالي: قولك بأن الخلل قد يكون فكريًّا ثقافيًّا, فهذا صحيح وأنا لاحظت أن الثقافة الإسلامية حدث فيها شيء من العوج، فمن ناحية التربية والتصور, انسحب الناس من الحياة… رأوا المجتمع فاسد, فانسحبوا وهربوا منه بدل أن يغيروه…

وإذا نظرنا في فقه المعاملات والعبادات, أنا لا أعرف أمة أطالت الوقت في الفروع الفقهية كأمتنا.. الوضوء مثلاً يمكن أن يتعلم في دقيقتين, فما الذي يجعل فيه مئات الصفحات والكتب بل والمجلدات، وتختلف المذاهب فيه؟ هذا شيء عجيب, حتى أني سميت الوضوء “علم تشريح الوضوء” لا شك أن هذه المساحة التي أخذها البحث في الفروع الصغيرة, كانت على حساب القضايا الكبيرة نلمح من معطيات القرآن الكريم: أن التغيير هو تغيير النفوس (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية 11) والتغيير يشمل كل الجوانب- النفسية والثقافية التي فيها إعادة تشكيل الإنسان بينما لم يطل في القضية السياسية ويعطيها البعد أو الحجم نفسه, واعتبرها ثمرة، وليست مقدمة فكوننا نعطي الأهمية الكبرى للاستبداد السياسي على حساب موطن التغيير الأساسي وهو ميدان النفس, فكأننا- نحن المسلمين- افتقدنا ضبط النسب أو التوازن في النظر للقضايا.. عندما تحدث القرآن الكريم عن الأمة, تحدث عن فسادها وانهيارها بشيوع أخلاق معينة وبانقسامها إلى طبقات سيدة وطبقات تابعة, وبإصابتها بالتبلد العقلي الذي يجعل التقليد أساس الفكر.

لقد تعاملنا مع القرآن تعاملاً رديئًا.

لقد كان من الأفضل بدل أن يدرس الوضوء خلال ثلاثة أشهر مثلاً, أن يدرس: لماذا هلكت عاد؟ لماذا هلكت ثمود؟ هل المجتمع الآن يشبه مجتمع عاد وثمود أم لا؟ ما الفساد الذي حدث في بني إسرائيل؟ كيف تحولت الحقيقة إلى شكل؟ كيف تحول الدين إلى انتماء عنصري بدل أن يكون انتماء إلهيًّا وزكاة نفسية؟ كل هذا كان ممكنًا من خلال دراسة القصص القرآني لكننا أهملناه إهمالاً تمامًا؟ وابتعدنا عنه كما ابتعدنا عن دراسة آيات النظر إلى الكون فتبلدت العقول وكان آخر شيء ينظر إليه النظر في الكون.

كنت أتحدث وأقول: إن الزكاة فرضت في مكة.. فانتفض أحد شيوخ الإسلام وقال: لا، إن الزكاة فرضت في المدينة.. أقول له: إن آية سورة الأنعام مكية وفيها زكاة الزروع والثمار (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) (الأنعام: من الآية 141)، وفي سورة فصلت وهي مكية وهي من أوائل ما نزل (وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7)) (فصلت) وفي سورة المدثر (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43)) (المدثر)، ومع هذا قال: لا.. الفقهاء يقرون أن الزكاة كانت في المدينة “قلت: ربما تفاصيل الأنصبة: العشر ونصف العشر.. الخ، كل هذا كان في المدينة لا في مكة”.

فأجد أنه حتى بعض الشيوخ الكبار المؤلفين, قد تجمدت عقولهم…

فالكتاب تطبيق عملي لكيفية التعامل مع القرآن في صورة حوار بين عملاقين.

(2) مفاتيح للتعامل مع القرآن

مؤلفه: د. صلاح عبد الفتاح الخالدي

طباعة: يقع الكتاب في (176صفحة)، طبعته الثالثة 2002م، لدار القلم

هذا الكتاب: هو الحلقة الأولى من سلسلة “من كنوز القرآن”, وقد صدر منها: في ظلال الإيمان, والشخصية اليهودية من خلال القرآن، تصويبات في فهم بعض الآيات, مع قصص السابقين في القرآن، ولطائف قرآنية.. وكلها للمؤلف.

وعن المفاتيح: يقول المؤلف: ومفاتيح التعامل مع القرآن.. لا بد من الوقوف عليها ومعرفتها، واستخدامها في استخراج كنوز القرآن المذكورة فيه.. هذه المفاتيح حصلناها بفضل الله وتوفيقه من نظراتنا الكلية القادرة في القرآن، ومن اطلاعنا القاصر على التفاسير- وفي طليعتها “في ظلال القرآن” ومن قراءتنا الناقصة في كتب تحدثت عن القرآن، وأشارت إلى مبادئ أساسية لفهمه وكيفية تدبره والحياة به..

موارد المفاتيح: ثم قال المؤلف: وأضع بين يدي القراء أهم الكتب التي تحدثت عن القرآن وفضائله وآداب تلاوته وقواعد تدبره وأسس فهمه: فصول من أدب التلاوة من الإحياء للغزالي, والإتقان للسيوطي ومقدمات تفسير القرطبي والقاسمي, والتبيان للنووي، ومبادئ أساسية لفهم القرآن للمودودي وكيف نحيا بالقرآن لنبيه عبد ربه…. “.

موضوعات الكتاب: بدأ المؤلف بمقدمة عن حديث القرآن عن القرآن: أسماؤه وصفاته, ثم وصف الرسول- صلى الله عليه وسلم- للقرآن، ثم القرآن في عبارات أهل القرآن من أقوال الصحابة والتابعين, ثم أدبه تلاوته ثم ذكر مفاتيح القرآن، وذكر منها (27) مفتاحًا وهي: (النظرة الكلية الشاملة للقرآن- الالتفات إلى الأهداف الأساسية للقرآن- ملاحظة المهمة العملية للقرآن- المحافظة على جو النص القرآني- استبعاد المطولات التي قد تحجب نور القرآن- تنزيه القرآن عن الإسرائيليات وعدم تبين المبهمات- دخول عالم القرآن دون مقررات سابقة- الثقة المطلقة بالنص القرآني وإخضاع الواقع المخالف له- معايشة إيحاءات النص وظلاله ولطائفه- تمنى النصوص بالمعاني والدلالات- تحرير النصوص من قيود الزمان والمكان- ملاحظة البعد الواقعي للنصوص القرآنية- الشعور بأن الآية موجهة له- تسجيل الخواطر والمعاني لحظة ورودها. التمكن من أساسيات علوم التفسير- العودة المتجددة للآيات- ملاحظة الشخصية المستقلة للسورة- تجاوز الخلافات بين المفسرين والعودة إلى معين القرآن………..”.

مثال: (المحافظة على جو النص القرآني): قال المؤلف تحت هذا المفتاح

“قارئ القرآن قد يشغل نفسه بشواغل أثناء التلاوة, تخايل له فتحجب عنه أنوار القرآن وقد يسرح في ذهنه, ويجول خياله في الآفاق.. فعلي القارئ أن يبقي في “جو” النص القرآني, وأن يحضر معه كل أجهزة وأدوات التلقي والاستجابة والتأثر والانفعال في كيانه الإنساني، لتتفاعل مع القرآن وتأخذ عنه.. على القارئ أن يحافظ، على الجو القرآني المبارك, وأن يحرص على إبقائه وإثرائه وزيادته كلما أقبل على التلاوة, وأن يزداد من كل هذا كلما تكررت التلاوة وعاود النظر في كتاب الله.

وهو في أثناء قراءته للآيات قد تستوقفه مجموعة منها, وتدعوه إلى أن يتوسع في تدبرها واستخراج ما فيها، ولا مانع أن يطيل هذه الوقفة، وأن يلبي تلك الدعوة, لكن بشرط ألا يخرج عن جو النص القرآني، وأن يبقي خواطره ومشاعره وأفكاره وتصوراته.

ونظراته واهتماماته, يبقيها مع الآيات وظلالها وإيحاءها.. فإذا ما سوغت له نفسه الخروج من هذا إلى اهتمامات أخري فلا يستجب لها وإذا ما زينت له أفكاره التعريج على مباحث وقضايا وجوانب واستطرادات لا ارتباط بينها وبين الآيات, ولا يتوقف فهم الآيات وتدبرها عليها, قلا يقبل ذلك ولا يُقبل عليه، وليقصر نفسه وفكره على العودة إلى جو النص القرآني، وليكن يقظًا ومنتبهًا لهذا أثناء التلاوة”

أن البقاء في جو النص القرآني والمحافظة عليه, هو مفتاح لا بد منه لفتح كنوز القرآن.. إلى آخر كلامه النفيس.

(3) أبرز أسس التعامل مع القرآن الكريم

مؤلفه: د. عيادة بن أيوب الكبيسي

طباعته: يقع الكتاب في (152) صفحة, طبعته دار البحوث للدراسات الإسلامية بدبي

المحتوى: يقول المؤلف: أسس التعامل مع القرآن متعددة, وليس غرضنا في هذا المبحث استيفاءها ولكنا أردنا أن نحدد الموضوع بأهم تلك الأسس وأبرزها, وهي فيما نرى أربعة: تكفل إن شاء الله- لمن أحسن التعامل مع القرآن في ضوئها الفلاح والنجاح, وتقوده إلى سعادة الدارين, وقد قسمناها على النحو التالي:

(1) التلاوة: وتنقسم إلى

أ- تلاوة يومية مستمرة تعبدًا.   ب- تلاوة تأملية.

(2) الحفظ:

أ- حفظ شامل لكتاب الله  ب- حفظ جزئي لبعض سوره وآياته.

(3) الفهم:

أ- فهم لمعاني المفردات الكريمة, وما لا بد منه في سياق الكلام.

ب- فهم لمقاصد القرآن, وما ترمى إليه الآيات.

(4) العمل:

أ- عمل ذاتي, قاصر على النفس, وذلك بتطبيق ما في القرآن تخلقًا بأخلاقه، وتأديبًا بآدابه.

ب- عمل متعد, وذلك بالدعوة إلى القرآن وإلى العمل بما فيه.

* مثال: قال في التلاوة التأملية: “إنها تستدعى إعمال فكر, وتقليب نظر, وكثرة تكرار, وذلك أن يقف القارئ عند الآيات وقفة تأمل طويلة, مرددًا لها, مستغرقًا فيها, مع صدق الوجهة وعمق التدبر, مستلهمًا فتح الله تعالي, مستدرًا فيض فتوحاته, حتى تنهل على قلبه سحائب الفضل, فيعلم من أسرار كتاب ربه ما كان عنه غافلاً, ويدرك من مكنون جواهره ما كان به جاهلاً.

وقد ينتج عن هذا التأمل الدقيق استنباط الأحكام لا سيما للعلماء العاملين”.

ثم أورد أحاديث وأنار عن التأمل في كتاب الله.

كتب في الموضوع:

(1) “قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله”. للشيخ عبد الرحمن حبنكة الميدان طبعة دار القلم

2- “مبادئ أساسية لفهم القرآن” لأبي الأعلي المودودي.

فلسطين السليبة.. ثوابت ومرجعيات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد..

تمثِّل القضيةُ الفلسطينيةُ منذ ما يقرب من قرن كامل المحورَ الأساسيَّ للصراع الدائم بين المشروع الاستئصالي الصهيوني الأمريكي والأمة العربية والإسلامية، وتجسِّدُ أرضُ فلسطين هذا الصراع، وما حدث من اغتصاب لها على يد الصهاينة، والتمكين لهم على أرض العروبة والإسلام، بل وتمكينهم من عمل دولة أصبحت عضوًا في الأمم المتحدة، وتشريد الفلسطينيين وطردهم من أرضهم في شتات واسع يبلغ تعداده الآن حوالي سبعة ملايين، ويعيش على الأرض بالداخل في قطاع غزة والضفة الغربية ما يقرب من 5 ملايين، واستمر الصراع، وظهرت أجيال جديدة تواصلت مع الآباء والأجداد المجاهدين، وتكوَّنت فصائل ومنظمات للمقاومة ضد الصهاينة الغزاة، وما زالت هذه المقاومة مستمرةً وتزداد قوةً وثباتًا يومًا بعد يوم.

وخلال المسيرة الدامية تعرضت القضيةُ الفلسطينيةُ، أرضًا وشعبًا، للعديد من المؤامرات، وتزامن مع هذه المؤامرات حروبٌ واعتداءاتٌ وقتلٌ واغتيالاتٌ وسجونٌ ومعتقلاتٌ.. كل ذلك وغيره الكثير من كيد اليهود الصهاينة وبعض الأذناب ومكرهم، وبدعمٍ وتخطيطٍ من القوى الكبرى في العالم، وعلى رأس هذه القوى أمريكا؛ بكل إمكانياتها وجيوشها وسطوتها، ولكنَّ المقاومة التي كانت في النصف الأول من القرن الماضي والتي حمل لواءها المجاهدون- على الرغم من عجزِ الأنظمة القائمة حينئذٍ وتراجعها وتفرقها- قد أوجعت الصهاينة، وزلزلت بنيانهم، ولولا تكالب قوى العالم ضدهم وضعف الجانب الرسمي العربي والإسلامي لسارت الأمور على غير ما كانت، وقدر الله للأمة أن تدخل في صراع، تمحَّص فيه، ويُمتحَن ويُفتَن أبناؤها ويتكوَّنون على عين الله؛ ليكونوا بعد ذلك الرجال الذين يستحقون السيادة والعزة، ثم تفجَّرت مرةً أخرى الصحوة والانتفاضة، وظهرت المقاومة، وعادت كتائب عز الدين القسام والمقاومون في فتح والجهاد وغيرهم من أبناء فلسطين المجاهدين المخلصين، وها هي المقاومة تقف على مفترق خَطِر؛ يأبى أبناؤها والرجال الذين شَرَوا الحياة الدنيا بالآخرة إلا أن ينحازوا إلى خندق الجهاد؛ فالله الله يا أمة الخير.. والانتفاضة مستمرة.. وإنه لجهاد؛ نصر أو استشهاد.

ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن لم ينقطع التواصل مع القضية بكل أطيافها ومع أهل فلسطين بكل فصائلهم، ولا يخفى على أحد كيف نشأ القادة من أبناء فلسطين، ومنهم أبو عمار وعبد الله عزام وأحمد ياسين ورفاقه وأبناؤه وغيرهم الكثير؛ فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً.

وفيما يلي نذكِّر بالحقائق والأسس التي يجب أن ينطلق منها الجميع لتحرير فلسطين:

1- أرض فلسطين أرض مقدسة، والمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفَين من مقدسات المسلمين، وكنيسة القيامة من مقدسات إخواننا المسيحيين، وهذه الأرض والمقدَّسات واجبٌ على كل الأمة العملُ على تحريرها وحمايتها وصيانتها والدفاع عنها، ولا يملك أحدٌ كائنًا من كان أن يتنازل عن شبر من الأرض، أو أثرٍ من المقدسات، وهذه مسئوليةٌ جماعيةٌ، وواجبٌ شرعيٌّ علينا جميعًا.

2- الفلسطينيون هم أصحاب الحق في تقرير مصيرهم؛ من حيث اختيار قيادتهم وطريقة الحكم لديهم، وإدارة شئونهم على أرضهم، ولا نتدخل في شئونهم الداخلية، مع حقهم علينا- بأخوَّة الإسلام ومسئولية المقدسات- في النصح والنصرة والدعم، والوقوف إلى جانبهم بكل السبل والوسائل المشروعة؛ حتى ينالوا استقلالهم، ويُقيموا دولتَهم المستقلة على كامل أرض فلسطين وعاصمتها القدس، وليس لأحد الحق في أن يتفاوض بالنيابة عنهم في كل المحافل الدولية ومع كل دول العالم.

3- المقاومة حق مشروع، فرضه الإسلام، وكفلته القوانين والمواثيق والأعراف الدولية، وهي الوسيلة الباقية والماضية لاسترداد الحقوق ولتحرير الأوطان؛ ولذلك فنحن مع المقاومة بذلاً وعطاءً وفداءً؛ حسبةً لله تعالى.

4- للمسلمين وغير المسلمين من أبناء فلسطين الحق في العيش على أرض الوطن الفلسطيني كمواطنين لهم كافة حقوق المواطنة، وطبقًا لمبدأ: “لهم ما لنا وعليهم ما علينا”.

5- الخلافات بين الفصائل الفلسطينية القائمة الآن أعراض زائلة؛ بسبب المكائد الصهيونية، والضعف الذي اعترى النظم العربية والإسلامية، وبسبب بعض التصرفات الفردية من بعض ذوي الأغراض الشخصية والهوى، ويجب حلُّها بالحوار والحب والأخوَّة والإيثار، والرعايةُ والعنايةُ والعونُ من الأمة لهم في ذلك أمرٌ واجبٌ، ونحن ندرك أهمية ذلك ونضع أنفسنا في خدمة القضية وفي تقديم كل ما نستطيع لإنجاح هذا الحوار.

6- فكُّ الحصار ورفعُ المعاناة عن أهل فلسطين، وخاصةً في قطاع غزة، واجبٌ على كل الدول العربية والإسلامية، والدعمُ الشعبي والإغاثةُ واجبٌ على الأمة، وتمكينُها من ذلك بتسهيل نقل المؤن وفتح المعابر على الحدود واجبٌ على الأنظمة المعنية بذلك. وفي هذا الصدد فإننا ننبِّه إلى ضرورة كسر احتكار الصهاينة لاقتصاديات قطاع غزة، وخاصةً في مجال الطاقة والمحروقات والكهرباء والمياه والغذاء والدواء ومستلزمات الإنتاج والصناعة داخل القطاع.

7- فلسطين عضو في جامعة الدول العربية وفي منظمة المؤتمر الإسلامي؛ ولذلك يجب على المنظمتين اتخاذ كافة الوسائل والسبل لدعم الفلسطينيين وإغاثتهم، والوقوف إلى جانبهم في مقاومتهم للصهاينة المحتلين؛ حتى يقيموا دولتهم المستقلة.

8- رفض الحلول البديلة عن إقامة الدولة المستقلة وخاصةً بالنسبة للضفة الغربية وقطاع غزة، ولا يمكن أن يقبل الفلسطينيون والأمة معهم بأن يتم التخلص من أي منهما أو من كليهما وإلحاقهما بدول الجوار.

9- التعددية والتنوع بوجود فصائل ومنظمات من الشعب الفلسطيني داخل أراضيه وخارجها أمرٌ طبيعيٌّ، والتعاون والتكامل وروح الأخوَّة والحوار مبادئ أساسيةٌ لتحقيق الهدف، ووجهةُ الجميع هي التحرير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس.

وإذا كانت هذه النقاط تمثِّل الثوابت والمرجعيات لمسيرة التحرير؛ فإن مسئولية الأمة تجاه فلسطين؛ الأرض والمقدسات والأبناء، وقيامها بهذه المسئولية في الماضي والحاضر والمستقبل.. تبقى هي حجر الزاوية لإتمام هذا التحرير المنشود (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ) (الروم)، وهذا ما سنتناوله في الأسبوع القادم إن شاء الله؛ فللحديث بقية، وإن غدًا لناظره قريب.
وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

—————-

* الهوامش:

 1- رواه أحمد (4/160), وابن ماجة (1048) , والحاكم (3/590) وصححه ووافقه الذهبي

 2- مقدمة للأستاذ عمر عبيد حسنة لكتاب الشيخ محمد الغزالي “كيف نتعامل مع القرآن؟”.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

د. علي القرة داغي 
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

سنن الانتصار والهزيمة وسنن التمكين والضعف – بقلم: د.على القره داغي

بوابة القليوبية | مشاركات ومقالات إن لله تعالى في تدبير هذا الكون وبخاصة فيما يتعلق ...