د. مجدي شلش يكتب : الثورة المصرية وتجربة الجماعة الإسلامية.

مجدي-شلش-1

بوابة القليوبية_مشاركات ومقالات

 

فترة الثمانينيات وبالأخص في بدايتها بعد تولي مبارك للحكم انتشرت الفكرة الإسلامية في ربوع مصر كلها لا سيما الجامعات المصرية.

كانت المنافسة على أشدها بين جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الأخرى التي تؤمن بالتنظيم أو التي تنتهج الدعوة العامة دونما تخطيط أو تنظيم.

أكثر المنافسات كانت في الجامعات المصرية عموما والأزهر خصوصا حيث الدعوة السلفية المذهبية التي يدعمها النظام المباركي ويديرها أمن الدولة.

شهدت معارك هذه الفترة عندما كنت طالبا في جامعة الأزهر حيث أسرة شباب الأزهر التي كانت تمول بكل قوة مادية ومعنوية من جهات الأمن.

لم يكن للجماعة الإسلامية ظهور كبير ولا انتشار واسع بين طلاب الأزهر بكلياته الإسلامية أو المدنية لأسباب كثيرةً منها توسع شباب الإخوان في جميع الكليات بصورة لافتة لجميع الطلاب وتميزيهم العلمي والخلقي والدعوي.

ومنها أيضا أن فكر الجماعة الإسلامية غالبا ما يميل إلى الأحوط في العبادات والمعاملات بشتى صورها المتعددة.

ومنها الدراسة الإسلامية التي يتعلمها الطالب في الأزهر حيث الاعتدال في فقه النصوص الشرعية ودراسة كيفية تنزيلها على الواقع وهذا لا شك بعيد بصورة نسبية عن فهم الجماعة الإسلامية للنصوص الشرعية وحسن تطبيقها على الواقع.

هذا ما ما كنت شاهدا عليه في جامعة الأزهر في جميع فروعها في القاهرة الممتدة في حي الدراسة ومدينة نصر.

أما فروع جامعة الأزهر في جنوب البلاد كان صوت الجماعة الإسلامية والجهاد أكثر من توسع الإخوان المسلمين في جامعة الأزهر بفروعها هناك وباقي الجامعات المصرية الأخرى التي في الجنوب.

كانت تأتينا الأخبار من إخواننا هناك عن حجم المنافسة بين الجماعات الإسلامية التي قد تصل في بعض الأحيان إلى الإهانة باللحظ أو اللفظ أو الضرب بالأيدي والأرجل.

دائما كانت الجماعة الإسلامية والجهاد يتهمون الإخوان المسلمين بالترخص والتساهل إلى حد التفريط في أمور الدين كلها.

الإخوان المسلمون مبتدعة وخوارج العصر ومرجئة اليوم ومعتزلة الأمس وخدام السياسة كل ذلك كنا نسمعه بآذاننا أو نخبر به من إخواننا في المناشط الصيفية التي كانت تجمعنا.

العلاقة بين الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية والجهاد في غالبها كانت متوترة للفرق بين الرؤيتين والطريقتين.

مازلت أذكر حوارا دار بين شاب من شباب الجماعة الإسلامية بعد محاضرة قيمة للدكتور عبد الستار فتح الله سعيد أستاذ التفسير بجامعة الأزهر حيث أوقف الشاب الدكتور بعد نهاية المحاضرة وأوسع الشيخ ضربا بالكلام من العيار الثقيل والاتهامات الباطلة والشيخ بوقاره يستمع إليه ويرد عليه بأدب جم وسعة صدر.

كنا نحن الشباب لا نتحمل مثل هذا الأسلوب الفج في التعامل مع أهل العلم وبالأخص المجاهدين العاملين منهم.

اشتبكت الجماعة الإسلامية والجهاد مع نظام مبارك في معركة استمرت قرابة عقد من الزمن وكانت نصائح الإخوان لهم بعدم الصدام المسلح مع النظام المجرم لكنهم قابلوا ذلك بعدم الاهتمام أحيانا والوصف بالجبن والخوف أحيانا أخرى والقليل منهم من يصف ذلك بالخيانة لله ولرسوله وللمؤمنين .

مازلت أذكر نعي الشيخ حسن عليان لأحد شهداء الجماعة الإسلامية لما قتل علي يد الأمن في منتصف التسعينيات وكاد أن يبكي عليه وقال لو ادخر قوته لكان أفضل.

قامت الثورة وشارك الكثير من أبناء الجماعة الإسلامية فيها بكل حماس وشجاعة جنبا إلى جنب مع الإخوان وتعانقا الجميع بعد محنة طالت بأبناء الجماعة الإسلامية والجهاد وبعد خروج مبارك من المشهد السياسي خرج قادة الجماعة الإسلامية الذين كانوا في السجون والمعتقلات.

جاء الانقلاب الغاشم ووقفت الجماعة الإسلامية موقفا تاريخيا لله أولا ثم مع شرعية الدكتور مرسي حفظه الله وفك أسره وجميع المعتقلين ولم يشذ منهم إلا القليل النادر والنادر لا حكم له.

الحراك الثوري كان من الجميع ضد الانقلاب العسكري الخائن ولما اتخذت معظم القوى الثورية قرارا بأن الثورة مسار استراتيجي وأن مواجهة الانقلاب وكسره لا يمكن أن يكون بالحراك الثوري وحده وأن الثورة لابد لها من حماية بعد قتل الآلاف من أبنائها على يد الخونة من العسكر تراجع قلة من قيادات الجماعة الإسلامية وقالوا للقوى الثورية لا تكرروا أخطأنا التي وقعنا فيها.

عزف نفس النغمة بعض قيادات الإخوان المسلمين وبالأخص قيادات الخارج في لندن وغيرها.

وهنا لابد من ذكر عدة ملاحظات:

أولها: جعل تجربة ما نموذجا وحيدا للأخذ بها أو تركها بالكلية مسألة تحتاج إلى فقه ونظر.

نعم نستفيد من التجارب ونأخذ منها العبرة والعظة لكن استنساخ تجارب الماضي الفاشلة للحاضر المتغير لا يقول به عقل أو منطق صحيح.

ثانيها: المواجهة المفتوحة ضد الخونة والتي فعلتها الجماعة الإسلامية والجهاد لم يقل بها أحد من القوي الثورية حتى يقال لا تكرروا التجربة الخاطئة إنما مقصود الثوار في ثورتهم يختلف تماما مع رؤية الجماعة الإسلامية في معركتهم مع مبارك ونظامه.

ثالثها: أن الجماعة الإسلامية والجهاد لما صارعت النظام لم يكن لهذا التصور إجماع أو حتى شبه إجماع من القوي الإسلامية التي كانت رؤيتها تختلف عن تصور الجماعة الإسلامية لكن الجماعة دخلت المعركة وحدها فغلبت وصرعت ولو أخذت بالنصيحة بالتمهل لكان أحفظ لها وأبنائها.

ليس من المنطق أن يقال لو كانت جماعة الإخوان المسلمين معنا لانتصرنا فأنت تريد أن تاخذ الناس إلى مربعك دائما لأنك تفترض الصواب معك والخطأ مع غيرك.

رابعها :وهو الأهم نحن أمام مشهد مختلف تماما عن التسعينيات من حيث الرؤية الشرعية والواقع السياسي الداخلي والمشهد الثوري.

أما الأول فغالب أهل العلم من الشرعيين علي أن الانقلابيين بغاة وخوارج ومحاربون لله ولرسوله ولا يقول عاقل إن الصورة الشرعية الآن التي تنطلق منها الثورة هي نفس الصورة الشرعية التي انطلقت منها الجماعة الإسلامية والجهاد في التسعينيات.

هل كان فيها رئيس منتخب ومعتقل الآن والشرع يرتب آثارا عظيمة للرئيس المنتخب وكذا عند أسره أو اعتقاله ؟.

هل كان فيها مجلس شورى وشعب منتخبين بأغلبية إسلامية تزيد عن الثلثين ؟.

هل كانت هناك ثورة شارك فيها معظم أطياف الشعب المصري ولها بعض النجاحات التي أخرجت مبارك وبعض أركانه من المشهد السياسي ؟.

أما الواقع السياسي الآن لا يقول إنسان ابدأ أنه على نمط طريقة مبارك في الحكم في التسعينيات حتى ندخل معه معركة دون الاستعداد لها.

الواقع السياسي الآن يختلف تماما حيث لا سياسة ولا برلمان ولا حرية البتة وقتل بالليل والنهار واغتصاب للنساء والفتيات وشبح الانقلاب يطارد الخونة في كل محفل ومنظمة فهل حكم مبارك كان هكذا حتى يقال لا تكرروا التجربة ؟.

نعم نحن لا نريد أن نجرب التجربة الفاشلة القاصرة المحدودة وإنما نريد صناعة نموذج آخر بعيد عن سفك الدماء لأدنى ملابسة والمواجهة المفتوحة أو ما يسمى عسكرة الثورة وبعيد أيضا عن القصور في الفهم وإدراك طبيعة المرحلة.

أما الواقع الثوري فيختلف تماما عن ذي قبل حيث كثير من الشعب المصري عاش ثورة واغلبيته تعاني أكثر مما عانت فترة التسعينيات والمشهد قابل لاشتعال ثورة لا تبقي من الخونة ولا تذر.

نعم تجربة فاشلة فلا تعمموها للزمان والمكان ولا تتكلموا عنها لأنها ليست مصدر إلهام أو خبرة وإنما مصدر للعبرة والعظة.

التعليقات

أضف تعليقك باستخدام حساب الفيس بوك

شاهد أيضاً

د. علي القرة داغي 
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

سنن الانتصار والهزيمة وسنن التمكين والضعف – بقلم: د.على القره داغي

بوابة القليوبية | مشاركات ومقالات إن لله تعالى في تدبير هذا الكون وبخاصة فيما يتعلق ...